روح .. مدونة مصرية ح تصدر قريِّب. اللغة الرئيسية بتاعتها هي "اللمح"يعني اللغة المصري الحديثة.."قول الحق و اتبع الحق، ع شان مافي ش فيه أقوى م الحق، إجبن الحق هو اللي بيجلب للحقاني التوقير"(الفلاح الفصيح.العصر الإهناسي. من عصور مصر (القديمة.

السبت، 2 مايو، 2009

بركة العجز

رواية قصيرة
(1)
دخلنا احنا الاتنين، و الأسدق "سلامة رضوان" دخل و انا وقفت حيران قدام الباب. فالبيت قديم و موش قديم و بس كان بدا في الركوع. و لما لقيت "سلامة رضوان" دخل من غير أي تردد و سابني أتردد على كيفي، اتشاهدت على روحي و قايست و دخلت. و الظاهر "سلامة رضوان" كان متأكد من دخولي وراه مهما التردد بتاعي طوِّل. فالفقرا ما قدام هم ش إلاَّ التحلي في نهاية المطاف بالشجاعة كضرورة. اجبن الضرورة دي ساعات كتير تنفعهم في الاستمرار قيد البقاء، خصوصي و شجاعة الفقرا هي أعلى مراحل الشجاعة: شجاعة اليأس، اللي هو ابن عم العجز.
و احنا التلاتة: "سلامة رضوان" و أنا و تالتنا "مصطفى البرقي" ما كان ش قدامنا سوى ركوب الصعب، مهما كانت صعوبته. فالبديل معدوم. و جايز ع شان كدا "سلامة رضوان" ما استناني ش. طلع طوالي ع الدور التاني. و في اللحظة اللي كان بيرد فيها الباب على كعبه لقاني بازقه لاجل أدخل وراه. و انا باقول في عقل بالي: إيه يوقَّف بيت زي دا على حيله كدا إلاَّ بركة العجز!
في الأودة قابلنا شخص ببالطو تقيل. قام وقف رحَّب. سلِّم. قعد. و من متابعتي من سُكات للحديت اللي دار بينه و بين "سلامة رضوان" فهمت في الأوَّل إنه صاحب البيت الحجر اللي كان متين أكيد في يوم م الأيام، و لو ان الزمن هانه. و بعد شوي رسيت إن صاحبنا دا موش صاحب البيت لاكن مستأجر للعين. و لما رسيت اتلفت حولين مني في الأودة فعرفت إن سيادته عزِّل تو هو و اللي تبعه.
الحديت كان حاسم:
ـ تعجب؟
ـ يعني.
ـ اتنين جني و نص ما ينقصوش مليم.
ـ بس؟
ـ بتتريق؟
ـ أصلي ما باحب ش الظلم.
ـ يعني انا ظالم؟
ـ طبع ن.
ـ إنت بتقول إيه يا جدع انت!؟
ـ ظالم لنفسك!
ـ ظالم ...لنفسي ...؟
ـ الأودة دي ما تقل ش عن خمسة جني!
ـ يعني سيادتك على استعداد تدفع...
"سلامة رضوان" قاطعه:
ـ خمسة جني.
ـ شهري؟
"سُلُم" بدل ما يرد انفتح فيه:
ـ انت بتتكلم إزاي! الأودة برْحة و هاوية و بتطل على شارع رئيسي، و بعدين إزاي تسمِّي دي أودة؟ دي شقة أهه، و ع شان أكون سادق أكتر دا دور كامل، زيد على كدا البيت تاريخي يعني المماليك ذات نفسهم أكيد سكْنوه... و انا...
الراجل أبو بالطو تقيل ما لقاش الظاهر غير يطعَّم صديقي و عقله متبعتر ـ أكيد ـ في الاربع جية:
ـ ما تحب ش تظلم حد!
ـ بالظبط كدا.
اتطلَّعت لـ "سُلُم" عايز أفهم. ما سأل ش في مدهبي.
الراجل أبو بالطو تقيل استفسر:
ـ تحب نكتب عقد إيجار م الباطن؟
"سُلُم" استفهم:
ـ قصدك صوري؟
ـ أيوا
ـ لازمته إيه؟
ـ استبينا
ـ بس الدفع موش أول الشهريا "معلِّم"؟
ـ أمال سيادتك عايز تدفع إمتى؟ نص الشهر مثل ن؟
ـ آخر الشهر.
و بصيت لقيت عينين "سلامة رضوان" بتمسح الأودة. و بكدا كان فكَّر الراجل أبو بالطو تقيل بإن البيت ما ينضمن ش يتنُّه صالب طوله ساعة زمن. و سيب ك من شهر تلاتين يوم. الراجل أبو بالطو تقيل بلع ريقه. و الظاهر كان استسلم في اللحظة دي للنظرية بتاع صديقي، اللي أسس عليها عدم منطقية الدفع الُمقدم.
و احنا نازلين "سلامة رضوان" همس في ودني:
ـ بكدا نكون ضمنا سقف يتاوي نا ـ مجاني ـ طول الشهر الجاي.
في ضل الظروف المحاوطة كمِّلت:
ـ ع الأقل.
و ع "المنيل" و على بير السلم في العمارة اللي نسيت نمرتها ـ و ح افتكرها ليه بعد صاحبها نفسه ما قرر يسهدمها؟ ـ لقينا "مصطفى البرقي" تالتنا نايم نومة العازب و نازل عزف منفرد. نزلنا دوغري خوف لا مُستأجر العين يرجع في كلامه، نفك إحنا الاتنين "سُلُم" و انا في السرير الفرداني. و عند ما بدينا نسحب في ملة السرير من تحته لقيناه ـ القرد ـ لحق نفسه فط واقف. و الحقيقة اللي "درش" كان راقد عليه ما كان ش سرير بالمعنى الحرفي: كان سرير في طور التكوين لو كان مسروق على دُفع ي في طور الانهيار لو مسروق كوحدة واحدة. و انا من ناحيتي ما اهتمت ش أقف على تاريخه الخصوصي. لفعت المراية بتاعته و السدغ. و مدِّيت على آخر ما معايا لحقت العارضتين و المرتبة اللي كانو ماشيين و "سُلُم" ماشي ـ أكيد ـ تحت منهم. و طبيعي لما نوصل 12 شارع "خيرت" نكون بقينا تلاتة، و الحقيقة أربعة. فـ "درش" كان لضم ويانا بالواح الملة اللي كانت في الحقيقة نص مُلة و باجور السبرتو و شوية كراكيب، الأسامي خسارة فيهم. أما الضل الرابع تحت ضي شطفة نجمة الصباح: "الزهرة" المخضرَّة فكان للقطة المشمشي اللي ماهان ش عليها تنسى العيش و الملح ويانا في "المنيل". و الظاهر وقوفنا كل شوي، موش ع شان نستريَّح و بس لاكن ع شان نصلِّي للضلام و البرد و الصمت: فلولا الضلام ما كناش لقينا اللي يسترنا و احنا لافعين كراكيبنا و ماشيين نتلولو تحت منها خلال اختراقنا للضواحي. و لولا البرد، الشوارع ما كانت ش صفرَّت بالشكل الروعة دا حتى م المخبرين السريين رمايين الجتت اللي ممكن أوي يلبِّسوك بكل بساطة تهمة قلب نظام الحكم بالقوة لو ما صاحبت هم ش يعني ما حيِّنتهم ش. و بالتالي ي تفلت ي تروح ورا الشمس. و لولا الصمت ما كناش اتونِّسنا في المسافة بين السكنين بمزيكة ماشية ورانا زفَّانا على بُعد موش بعيد، هي نقر القبقاب بتاع "درش". و الحقيقة "درش" تنه محافظ على قبقابه دا، لأسباب أعلى من إدراك البشر العاديين من أمثالنا. فالوتيرة اللي التمدُّن بتاع "المداسات" كانت ماشية بها في ديك الوقت في مصر كانت كاسحة: لا واقفة و لا حتى ماشية براحتها. و المسألة دي تحتاج تأمل خصوصي بس كله بوقته.
وصلنا على وش الفجر بالسلامة. هنِّينا نفسنا بالنفاد من رزالات الطريق. و حسيِّنا بالعزة و الاعتزاز و دقِّينا على كفوف بعض، لدخولنا السكن الجديد بعفش، زي أي ناس مُحترمين بيعزِّلو من حي لحي، و لو ان العفش بتاعنا كان متواضع حبتين. و في الإطار دا ما حسِّيناش بأي خجل في مُجمل السياق بتاعنا. ع العكس تواضع عفشنا كان مصدر فخر زايد فاحنا صحيح باديين م الصفر بس للساع في عمر الزهور. و المُستقبل قدامنا أعرض من سهول البراري. و الحر الفقير بالذات كان راكب صهوة حلم نبيل: لا بد أسيب الدنيا أجمل و أبهى و أنضر، عن اللي فتحت عينيَّ عليه!
***
كنا تلاتة، زي القول ما سبق. و الأدق أربعة لو ما نسي ناش القطة الأصيلة اللي باوجت على حي كامل و طلعت مشيت في كعبنا. و كنا عايشين براتبين: راتبي و راتب "درش". أما "سُلُم" فكان بدوي، بمعنى خالي شُغل باستمرار و ع شان أكون سادق أكتر ما بيحب ش يشتغل. بس الحقيقة اعتمادنا في عبورنا صحاري الجوع من شهر لتاني شهر، كان عليه. فـ "سُلُم" كان أعلانا دخل. و الفضل في كدا كان راجع لبدلة فخيمة من قُماش كان طالع جديد أيامها، و كان معروف باسم "رقبة الحمامة" و الاسم كان على مسمَّى: فلون القماش كان بيقلب من أخضر لاحمر لازرق و العكس، زي رقابي الحمام تمام تحت ضي الشموس، شمس الصبحية و شمس الضهرية و شمس العصاري. و اجبن الكدب خيبة، بدلتي كانت عامل مُساعد يا دوب و لولا براعة "سُلُم" اللي كان بيوظَّف طوله و رزانته و مشيته في سبيل حبْك قناع حولين منه، ما كان ش ح يكون لبدلة م القماش دا و لا أي قماش أنقح منه أي تأثير. و مافي ش أدل على كدا سوى وجود البدلة قبل "سُلُم" ما يظهر على قوس المدى من غير ما تبيِّن و لا "كرامة" واحدة على إيدين صاحبها، اللي هو الحر الفقير. و على أي حال الحق حق. و جدنا الكبير "الفلاح الفصيح" وصَّانا نقول الحق. أما إزاي اتلايمت على بدلة زي دي فدا سؤال وجيه. بس كله بأوان.
راتب "درش" من /شركة النصر لصناعة الحديد و الصلب و المطروقات المعدنية/، كان متفاوت. بس ما زادش في أي شهر عن سبعة جني. و ع الأقل دا هو المبلغ اللي كان بيعترف به لنا: "سُلُم" و الحر الفقير أول كل شهر. لاكن المبلغ دا كان ممكن يقل لحد ما يوصل لصفر. و دا موش بسبب وجود لايحة صارمة و بس، لاكن و كمان بسبب وجود رياسة متحمسة للمستقبل الباهر لمصر المحروسة تحت قيادات "الثورة" المجيدة بتاعتنا، من نوع الزعيم الملهوم و صاحبه الروح بالروح "المُشير" و صاحب صاحبه "الصاغ شمس بدران". و الرياسة دي كانت بتتفاني في تطبيق اللايحة اللي بتخصم يومين لأي موظف نظير غيابه يوم. و كان تأخير أي موظف ساعة واحدة معناه غياب يوم. أما راتبي فكان جاي من ترجمتي بصفتي خريج طازة من قسم انجليزي بجامعة فؤاد (=الكاهرا) لـ "سيناريوهات" في مجالات مختلفة لاكن علمية بالأساس، زي إكتشاف الصينيين بالصدفة للشاي و اكتشاف "نيوتن" بالصدفة برده للجاذبية عن طريق تفاحة وقعت ـ شيء إلاهي ـ على قلة دماغه. و اكتشاف "كوبرنيكوس" لمركزية الشمس موش الأرض للمنظومة بتاعتنا. و "السيناريوهات" دي الفنان "صلاح الليثي" كان بيرسمها و ينشرها في "روز اليوسف". و لما الراتب كان بيتحسب على أساس القطعة فكان متفاوت هو راخر، بس ما قل ش في أي شهر عن عشرة جني. و دا جايز كان سبب وجيه من وجهة نظر "درش" لرفع شأن السبعة جني بتوعه ع العشرة جني بتوعي على أساس إن رقم سبعة متقدس. فعندنا السموات السبعة و الأرضين السبعة و الصحابة السبعة و المعلقات السبعة...إلخ و لما راجعته بشويش في عدد "الصحابة" قال بطمان و أمان:
ـ ح يطلعو كام يعني: 70، 700. برده رقم متركب على 7!
لاكن الاختلاف الأساسي بيننا، و الحقيقة بيني و بينهم، فكان اصرارهم ع الاستمتاع بالحياة الدنيوية لأعلى درجة باعتبارها ح تعدي علينا مرة واحدة مافي ش غيرها: الأكل من أنضف المحلات و الشرب من أنقى الأصناف. أما الجرايد فكل الجرايد لازم ن نشتري ها و المجلات كانت شرحه. و فـ ضل سياسة زي دي كان طبيعي القرشين اللي كانو بيوصلو لإيدينا بيتبخرو على يوم خمسة في الشهر بالكتير. و ساعات ما هي (ا)ش قليِّلة كانو بيتبخَّرو في أوِّل يوم. و بعد ما نشطَّب ننزل تحت كل خطوط الفقر، و نقعد "و السماء و الطارق". لا بإيدنا و لا بالمنجل. بس يغلَّطو نفسهم؟ ع العكس. يتمادو في محاولات إقناعي بالمنطق بتاعهم بتحطيم المنطق بتاعي:
// لو ح نمشي وراك و نعيش ع الفول و الطعمية طول الشهر ح نكون بكدا عرَّضنا نفسنا لأمراض عديدة زي الأنيميا و القوب(البلاجرا) و النهجان. زيد على كدا كفائتنا الجنسية ح تتدهور، و بالتالي أحلام زهرة شباب الريفيين من أمثالنا في الصعود الاجتماعي في المُستقبل عن طريق توفير خدمات غير مسبوقة لحريم الطبقات الراقية، هم ـ أكيد ـ في أمس الحاجة لها، ح تطير في الجو بدل ما ترسى على أرض الواقع.//
و يا دهوة دُقي لو لمَّحت للوضع اللي بنوصل له بعد ما نقعد ع الحديدة نتيجة لسياستهم دي. كانو يزغرو لي: "سُلُم" مرة و "درش" مرتين. و في اللحظة دي ألحق أبلع حججي خوف ليكفرَّوني. و في ضل خوفي افتكر لهم آية كريمة. و ساعة ما تيجي على نافوخي، أرتِّلها بصوت رخيم على أد ما اقدر:
"و من كان رزقه على الله فلا يحزن".
و هنا يتهللو. و واحد وساعات الاتنين كانو يهبو من قعدتهم واقفين و إيديهم مرفوعة لرب السما خلال الشباك. يدعولي في نفس:
ـ اللاه يفتح عليك!
ساعات كنت اختلي بنفسي خصوصي و انا مستني شأشأة الفجر. و خلال تأملاتي في منطقهم و منطقي وي الهوا الطازة بتاع الفجرية، الشك كان يحاورني: هل الحياة الدنيوية دي ح تتكرر؟ بس كنت في نهاية المطاف أهني نفسي بقدرتي بسهولة نسبية على ترجيع البنية الفوقاني دي لبنية تحتانية: الأصل البمبوطي في مدينة "السويس" بتاعتهم، هم الجوز من يمة و الأصل الفلاحي بتاعي في ريف "منوف" من يمة تانية. و في نفس الوقت ألعن الديمقراطية في سري ـ خوف ليخوِّنوني ـ اللي مكِّنت هم من تسييد منطقهم المشكوك في صحته لمجرد أنهم اتنين قُصاد واحد.
(2)
في ربيع سنة 1965 جاني جواب التعيين بتاع "القوى العاملة" كمدرس انجليزي في معهد "دسوق" الديني التابع للأزهر. و كان لازم استلم في خلال 15 يوم موش أكتر. بس أنا في اللحظة دي كنت شغَّال مُدرِّس في مدرسة اسمها ي الإيمان ي حاجة زي الإيمان، الذاكرة ساعات تخون. و داخلين على أجازة الصيف، اللي بتدوم تلات-ت-اشهر بالتمام و الكمال. و لو سيبت هنا لاجل امسك هناك، ح اخسر مهايا التلات-ت-اشهر اللي ح اقبضهم و انا نايم على سماخ ودني. خصوصي و معركتي وي ناظر و صاحب المدرسة في سبيل تحويل التعاقد معاي من عامل لمدرس، زي الواقع ما بيقول، كانت اتنهت بهزيمة قاسية. و التلات-ت-اشهر دول هم كل اقدر أخده من دقنه غصب عنه.
رسمنا خطوط مؤامرة ما منهاش بد. و سافرت "دسوق" لاجل استلم. و م المحطة ع المعهد طوالي أصحح أوراق الامتحان بتاع الطلبة الأزهريين، يعني مشاريع الدعاي و الوُعاظ و الذي منه.
جابو لي كوم ورق و ترابيزة و كرسي و كوباية شاي حبر و في نفس الوقت عسل صب. و انا شغَّال لقيت صلعة بتضوي فوق الورقة اللي باصححها و سؤال:
ـ انت بتعمل إيه؟
كبير أساتذة اللغة الانجليزي بالمعهد لاحظ الظاهر إن الورقة ما بتقعدش في إيدي أكتر من نص دقيقة. و بطبيعة الحال رديت:
ـ باصحح.
إيده اتمدت على حبة الورق المتصححين. شالت ورقة منهم تحت منخيره. استعجب:
ـ صفر!
هزِّيت دماغي. دافعت:
ـ دا ما كتب ش حتى اسمه...حرف انجليزي واحد ما كلف ش خاطره...
قاطعني:
ـ شوف يا أستاذ أقل نمرة تدِّيها لأي ورقة 9 من عشرين، ع شان لجنة الرأفة تجبرها تخليها عشرة و الشيخ من دول ينجح.
احتجيت:
ـ دا كاتب لي غنيوة لـ "أم كلثوم" في عرض الصفحة و دوتم.
ـ الظاهر ما انت ش عايزنا نروَّح بيوتنا!
و دمدم:
ـ تسعة!
ـ ضميري ما يخلَّصني ش!
ـ طيب تعا!
خدني على أودة فيها مكتب واحد. شاورلي ع المكتب. قعدت. و "الجبب" بدت تدخل واحد واحد:
أول "جبة" دخل. رمى السلام و الرحمة و البركات. و حسس بإيده سند الكرسي لنفسه. قعد. فهمت إن انا بديت امتحن العميان. سألت:
-What is your name?
رد:
ـ آي هاف بووك!
رجعت سألت:
-Where do you live?
رد ما ون ش:
ـ آي هاف بوووك!
بدا لي إن فيه حد فطَّمه إن "آي هاف بووك" دي تنفع رد على أي سؤال بالانجليزي.
طلبت منه الانصراف.
و بحسه المفتَّح، مع إنه كفيف، فهم إني ح اسقَّطه. يعمل إيه؟ ميِّل يمتي و وشوش:
ـ أنا على أتم الاستعداد أعمل لسيادتك أي خدمة من أي نوع، شوف من أي نوع، بس تنجَّح ني ع الحركرك...
هددته. لم نفسه. إداني عرض اكتافه. اتنفِّست من كل رئتي.
شوي و كبير مدرسين الانجليزي اتزرع في وسط الأودة. و اللي حصل قبل كدا حصل من تاني.
صن. هز دماغه. قال:
ـ اطلع سيادتك ع الفندق استريَّح.
ـ أن هو فندق؟
دحك. قال:
ـ هو احنا عندنا في "دسوق" كام فندق!
شكِّيت رجلي في حنطور.
في دغيشة المغارب لقيت زفة على راسها شيخ المعهد و النايب بتاعه، جايين يهنِّوني بسلامة الوصول.
وصلو من هنا و أدان المغرب اترفع من هنا. و الجميع وقفو استعداد لأداء شعيرة الصلاة ـ و الظاهر ـ كانو كلهم تم ن على وضوهم من صلاة العصر.
وقفت وي الواقفين. لقيت شيخ المعهد انقض عليَّ قدِّمني ع الحاضرين. و قال:
ـ إم الصلاة!
ما يصح ش. لأ يصح. أنا للساع يادوب متخرَّج م الجامعة و انتو أساتذتنا. بس انت ضيفنا و الضيف لازم ن نقدموه ع المضيف. و بطبيعة الحال خمِّنت عدد م الأهداف عندهم ورا الإصرار بتاعهم دا: (1) اكتشاف يا هل ترى الحر الفقير بيتقن أداء الشعاير.(2) استكشاف المذهب اللي ماشي عليه، و ان كان شافعي و لاَّ مالكي و لاَّ غيره. (3) إذا كان بيعطَّش "الجيم" عند القراية و يغن و يدغم و لاَّ بيقلب الآية و وراها اختها و السلام زي الفلاحين الأميين ما بيعملو. و عاير و ناير على كدا.
ربنا ستر.
و إلا ما كانو ش سلِّموني الوظيفة رسمي تاني يوم، خصوصي و الشيوخ براعتهم في تستيف أي حجج يتزنقو فيها ما وصفت ش. زيد على كدا فشلي من وجهة نظرهم في تصحيح الإجابات و حتى في امتحان العميان كان زي الضحى العالي.
الضهر أدانه اترفع من هنا و التلغراف اللي كنت اتفقت عليه في "مصر" وي زميل ابن حلال وصل من هنا.
مثِّلت الدور. و باين تمثيلي كان بارع و إلاَّ ما كانوش سنِّدوني لحد محطة القطر. و في الطريق حزن غامق فاض من فناجيل عينيهم. بس رصدت برده ومضة شفافة كانت بتعدي خطف ورا النني كل شوي ـ أكيد ـ اجبن القدر خلَّصهم تاني يوم طوالي من شخص مُقرف رافع راية ضميره فوق دماغه.
و بالتالي ضمنت اقبض تلات –ت-اشهر بتوع أجازة الصيف، راتب كل أول شهر بس أخطف رجلي لحد بلد سيدي "برهيم" الدسوقي "أبو العينين" و "ساكن شجر الجميز".
***
وي مطلع الصيف، صراعاتي وي المدرسة اللي اسمها خلَُّونا نتِّفق و خلاص على انه كان "الإيمان" كانت وصلت لطريق مسدود و خلونا نقول لهزيمة قاسية، زي القول ما سبق. بس في ديك الوقت الهزايم عمرها ما كانت بتمس الأحلام، مهما كانت قسوتها. و في مكتب "القوى العاملة" إلهام إلاهي خلاَّني أوافق ع التنازل عن كل الشكاوي اللي قدمتها في صاحب المدرسة الخاصة، نظير الرجوع للشغل. فأجازة الصيف كانت على وش دخول.
و بالتالي ضمنت اقبض تلات-ت-اشهر كمان، بتوع الأجازة، و انا نايم على سماخ ودني. راتب كل أول شهر بس أقايس و ادخل ع المُشرف الرياضي اللي كان قايم كمان بدور سكرتير المدرسة و أمين سندوقها. أما المدرسة فكانت في شارع متفرع من شارع "الترعة البولاقية" قُرْب ميدان "فيكتوريا".
***
ورا جامع "كخيا" في "العتبة" فيه فندق اسمه "بلقيس"، على أد ما اني فاكر. الفندق دا العجز حدفني عليه بعد ما جذبني له اعلان عن موظف استقبال.
قبضت تلات قبضيِّات يعني كمِّلت تلات-ت-اشهر. اللي هم بتوع الصيف و جرس تلفون دق في القسم بتاع الاستقبال. زميلتي "نرمين" شالت السماعة لقينا بربخ مفتوح. مافي ش و حطت السماعة و بصِّت لي و استفسرت بأسى:
ـ إنت عملت إيه؟
ـ فيه إيه؟
ـ "زهير" بيه عايزك.
"زهير" بيه هو اللوا "زهير حاجة"، مدير عام الفندق اللي بيتمتَّع بوضع فريد. إزاي؟ ما كان ش لا قطاع عام و لا خاص. كان متأمم آي نعم، بس شقيق صاحبه هو مديره العام! و طبيعي في الظروف دي الفندق يخسر خساير مُروِّعة و مديره يكسب منه في نفس الوقت مكاسب فلكي. إزاي؟ ح نخرج عن موضوعنا. بس كنت لاحظت كل طلعة سيادة اللو المُدير دا ما تهل في أي وقت من أوقات النهار و لاَّ الليل، كل الرجالة الشغالين ينسخطو حجر. و البنات الشغَّالين يعني الـ "إستاف" يسخسخو على نفسهم م الدحك.
قلت يا "أم العواجز". طلعت على سلالم مشنقة لاجل أقابل عشماوي. و في الدور التاني دخلت ع السكرتيرة. صباعها لحَّاس السمنة شاور لي. قعدت. القعدة طالت. زمزأْت. نفس الصباع رجع شاور لي على لنضة حمرا مولَّعة فوق سجاف الباب.
جيت أقوم أقف و عينيَّ ع الباب. قالت:
ـ ادخل!
المكتب عبارة عن مستطيل طويل. طويل لدرجة ملامح القاعد وراه ما كانت ش واضحة. خصوصي و الضي في المكتب كان شاعري ع الآخر. خوَّضت في بحور السجاد. و لحظة ما بقيت في مرمى جعيره. انفتح:
ـ إيه يا أستاذ اللي انت هببته دا ليلة امبارح دا؟
قلت:
ـ موش فاهم!
ـ إنت عارف مين اللي انت هنته دا؟
زرِّيت جفوني. رميت سدغي على كتفي. قلت تاني:
ـ برده موش فاهم!
ـ دا مدير عام الطيران الـ...، اللي يقدر يحسِّن سمعة فندقنا عند الزباين بتوعه و يقدر...
افتكرت إن فيه شاب غندور دخل يترقَّص وصل الفندق الساعة سبعة المسا ليلة امبارح بباسبور مفرد. سكِّنته في "أودة بسرير دابل"، حسب ما طلب. و ساعتها قلت لنفسي جايز عامل حسابه يتقلِّب كتير و هو راقد. الساعة سبعة و ربع بالكتير خرج يترَّقص برده م الفندق. الساعة تسعة رجع "مأنجج" بنت تحل من ع المشنقة، ملامحها همست لي إنها مصرية. و لحسن الحظ زي ما قدَّرت وقتها، الفندق كان له اتنين أسانسير. طلعو في واحد. و أنا طلعت في التاني. الأكرة كانت بتلف ع شان تقفل من جوا. لففتها أنا من برا ع شان تفتح. و نزلنا رجْلي على رجْلها. و تنتني ماشي غافرها لغاية ما وصَّلتها باب الفندق.
رديت:
ـ أنا كنت بانفِّذ التعليمات بالحرف الواحد!
ـ تعليمات يا "متعلِّم"، تعليمات يا خرِّيج، تعليمات يا جامعي، تعليمات...
ـ بس التعليمات دي موش من تأليفي.
ـ أيوا فيه تعليمات مننا حسب منشور وزارة السياحة، بس فيه حاجة اسمها "كومون سينس" يا أستاذ!
رددت العبارة بين سناني:
ـ "كومون سينس"؟!؟
ما انكرش بيني و بين نفسي إن الغيرة على "يمامات" مصر لعبت الدور الرئيسي في موقفي. و في نفس الوقت ما اقدرش أعترف بكدا قدام واحد زي سيادة اللوا المُدير العام "زهير حاجة" الجعَّار دا.
و قفت ساكت، و الأدق مفحوم. و هو ما اتأخرش كتير في إصدار الحكم بتاعه:
ـ يعني سيادتك ناوي تقفل الفندق دا.
و لما كنت جاهز أربع و عشرين قيراط لقيتني بامد إيدي في جيبي طلَّعتها. حطتها بشويش ع المكتب قدام سيادته. بص في الورقة. عينيه لمعت. و أكيد قلبه رقص. خد نفس غميق. دوغري حدف إمضته. قال وراي، و باين كان سريع الحدف بطبعه:
ـ خد متعلقاتك من شؤون الأفراد.
بكدا كنت اتسلَّحت بدخيرة محترمة من فوايض تلات رواتب ما كانوش لا ع الخاطر و لا في النية، بس ربنا قعد يبعت هم لي شهري. و على كدا اتجرَّأت و دخلت و انا سدغي محدوف على كتفي على ترزي مشهور اسمه "حاجة غراب" في أول شارع "شريف". الترزي دا كان بالصدفة قريبي بس من بعيد و بالصدفة برده كان ترزي الملك "فاروق" ملك مصر و السودان.
و دي البدلة اللي حيَّرت اصحابي. و تنتها محيراهم لحد ما رسيو ع الإيمان بخرافة معصومة م الغلط و الزلل، زي كتير م الخراريف. و زوِّدو في إيمانهم بفقس الفولة لحد ما د. جمال صاحبنا الجديد، ما دهن وشه بتبسيم سخي من غير سبب معروف، خلال قعدة فرايحي في "شقتنا" ـ مع الاعتذار للشقق ـ في يوم في العصاري. و ميِّل على ودني:
ـ أنا عايزك "تسرق" لي بدلة زي بدلتك دي.
و شاور ع البدلة "رقبة الحمامة" اللي "سُلُم" كان للساع لابسها من ليلة امبارح و قاعد قدامنا في منتهى الألاطة: رجْل على رجْل و رامي عينيه م الشباك زي ما يكون مُفكر كبير.
ـ أسرقها من اين؟
فتح دراعينه بمعْلمة و جليطة و. قال:
ـ من مطرح ما سرقت الأولانية!
و باين لحق غلَّط نفسه موش لرميي بالسرقة. فالسرقة كانت بين اصحابنا عمل مُحترم و مشروع من أعمال التكافل. لاكن لاحتجاجه السريع. و الظاهر فكر يخفف الاحتجاج بتاعه، ففتح دراعينه بس بنعومة المرة دي و كمِّل:
ـ هو احنا موش اصحاب؟
يعمل إيه أي حد يتحاصر بعواطف دافية زي دي، غير يقول:
ـ ح احاول، بس على شرط.
ديك نفش ريشه. و بدل ما يصيح استفهم:
ـ إيه؟
ـ تدعي لي ...
ـ بس كدا؟
كمِّلت:
ـ انت و الست الوالدة و اخواتك البنات، ع شان بس ربنا ...
ـ مفهوم مفهوم!
***
انفلجت. نطِّيت من نومي على امشاط رجليَّ واقف زاعق:
ـ فيه إيه؟
ردو كلهم في نفس:
ـ إلبس بدلتك!
ـ راحين فين؟
ـ مافي ش وقت.
في نهاية شارع "السيدة عيشة" تحت مزاغل قلعة "صلاح الدين" لقيت المُهمة مستنياني. و اللي اتضح لي كل اصحابنا كانو خدو القرار في غيابي. و القرار ما كان ش من فراغ. ففي ضي النظرية اللي اصحابنا أمنو بها بشأن حططان إيدي على بدلة بالشياكة دي رسيو إن قلبي موش جامد و بس: ميِّت و إلاَّ ما كنت ش لبست بدلة واحد باشا بالشكل دا و طلعت بها م الدِّيق للوسع. و بالتالي أكفأ واحد في الشلِّة يقدر يشيل الشنطة بالجثة بثبات يِخِيل على قسم "الخليفة" بحاله و يعدِّي عليه و الشنطة في إيده، زي أي بيه، ي مسافر ي راجع من سفر. فزميلنا د. "جمال" مزنوق في مادة "التشريح" و واجبنا بصفتنا اصحابه نقف في ضهره، مهما كان التمن.
و بطبيعة الحال كنت أقدر اتحجج بأي حجج لاجل افلت م المُهمة المنيِّلة دي. بس النتايج ما كانت ش ح تكون تمام أبدن. و سيب ك بقا من خزي التخلي، موش عن د. "جمال" لوحده، لاكن و كمان عن "التالوت" بتاعنا، اللي كان معتمد في استمراره على وش الدنيا ـ ع السما نمرة واحد ـ و نمرة اتنين على د. "جمال"، اللي كان بيخوض عِرَك طحن جوا شقتهم، في سبيل الدخول علينا في نهاية المطاف في أودة الجلوس و راسه مرفوعة و إيديه تقيلة.
"الصقر إن وقع عيب لما يتخبَّل".
وقفت وقفة أي "نابليون". و دوغري شاورت يم الغرب:
ـ إسبقوني يللا،،، و لاَّ ح تمشو وراي تزفِّوني!
انطلقو كلهم تم ن من غير حس و لا نفس في اتجاه السهم اللي صباعي اللحاس رسمه في الهوا.
كلنا أعضاء مملكة الحيوان بنخاف، بس بعضنا بيقدر يقاوم خوفه.
صلِّيت لـ "أم العواجز" تقف في ضهري. و لولا العجْز لكنت ندرت لها ساعتها ندر من أغلى الندور لو عدِّيت ديك البحور.
ألاَّ نجاحي في المهمة دي رفعني، بصورة ضمني، لمكانة أعلى في ضلوع المثلث: بقيت زي ما تقول الضلع نمرة واحد متكرر وي "سُلُم".
***
عدى يومين بالتمام و الكمال على آخر مرة شمِّينا فيها، إحنا التلاتة، ريحة الزاد و ماشيين في التالت. و شوي شوي بدينا نستسلم للقدر.
د. جمال اتكِّينا عليه. و آخر مرة إتلقى تهديد صريح من والدته. و قعدنا ليلتها نستناه ييجي ينضم لنا كرابعنا لحد الفجر ما قرَّب يشأشأ.
"سُلُم" نزل متسلَّح ببدلتي، زي العادة، و رجع إيد ورا و إيد قدام.
اصحابنا في "روزا اليوسف": "ليثي" و "حجازي" و "مصطفى رمزي" و "فاروق قاعود" و "قناوي" و غيرهم نسيونا الظاهر.
أما "الحر الفقير" فقعد يخطرف:
ـ تعرفو إن نظام "الأجوجي" اللي "إسبرطة" كانت ماشية عليه، كان بيجبر الصبي الاسبرطي على تحمُّل الجوع و العطش و حتى التعذيب لاجل يعملو منه دكر، لا يعرف انسحاب و لا استسلام قدام عدويين الوطن...
رفعو عينيهم: "سُلُم" و "درش" يمِّتي بتأني زي كل مرة، بس المرة دي من غير أي إعجاب.
"سُلُم" مسح وشه مرتين مرة بكفه اليمين و مرة بكفه التاني. قال:
ـ أنا عندي اقتراح...
طرطأت ودني. و أكيد "درش" ما كان ش حوجان يغش مني.
"سُلُم" وضَّح:
ـ ننام لنا كمان شوي لحد ما فرج اللاه يحوِّد.
بصِّينا له احنا الاتنين بقرف.
أما "درش" فزوِّد هقهق على أد ما قدر، قال بوهن:
ـ و جايز و احنا نايمين نحلم إن احنا معزومين عند "حاتم" الطائي!
و احنا قاعدين في حيص بيص الباب خبَّط. انحدفت، موش لاجل افتح، لاجل أبستف اللي فاكر ـ بسلامته دا ـ إن احنا ساكنين في شقة بصحيح.
إزاي غاب عننا، إحنا التلاتة إننا قاعدين في حجا "أم العواجز" ذات نفسها!
جمعة، سبع –ت- ايام عايمين في خيرات قبلي و بحري و الواحات: قرابين العيش: بتاو و مشطوح و مقبقب، فايش و زلوط، أما اللحمة فما اقول لكوش و الطبيخ ما اعيدلكوش! فلحسن الحظ البيت بتاعنا كان {هايل} للسقوط صحيح بس في شارع خيرت في قلب حي السيدة زينب. و دا اللي وفَّر مطرح بِرِح لأتباع "الطاهرة"، "رئيسة الديوان" و "ندهة المنضام" إيل ما المولد شغَّال في طول و عرض اللي ما تعرف ش إن كان بير سلِّم و لاَّ أول دور تحت الدور بتاعنا.
***
شدِّيت السقاطة الخشب لنفسي. لقيت ني قدام "سُلُم" قاعد ع الكنبة اللي ماشية في طور التكوين و هو لابس بدلتي. و بالتالي حاطط رجْل على رجْل. و بيلف في سيجارة واضح إنها كانت مغمِّسة. و الراجل أبو بالطو تقيل قاعد ع السرير بتاعنا و عينيه باظة من محاجرها. وقفت في الباب شوي. لقيت "سُلُم" مد إيده بالسيجارة اللي كان بيلفِّها و قعد يتكى على إيد الراجل:
ـ آخر واحدة!
الراجل أبو بالطو تقيل، خطمه كان ممدود شبر قدام منه. و الظاهر "سُلُم" كان مستأبِّزه من فترة بس ما حدش يعرف من إمتى بالظبط. غيرشي الراجل كان خلاص استوى من بدري. لاكن "سُلُم" كان خايف ـ الظاهر ـ لا يفوق قبل ما يوصلَّه، فحب يزيد طمانه طمان.
في نهاية النهاية "سُلُم" مد دراعه "أنجج" كتكوت دماغه طاير عن كتافه.
على وش الفجر "سُلُم" رجع. لقى في وشه السؤال دا:
ـ إيه دا كله يا "سُلُم"؟
زم حاجبينه. وضَّحت:
ـ إتأخرت أوي!
ـ ح اعمل إيه؟ قطر "أسوان" ما بيقوم ش إلاَّ بعد نص الليل.
ـ اللاه؟ هو الراجل دا موش من بلدكو "السويس"؟
"سُلُم" هز دماغه. استغربت:
ـ يعني انت بعته "السويس" عن طريق "أسوان"؟
ـ شوف! الطماع ما بيقع ش إلاَّ في واحد زيي. إنت سكنت في أودة لحد ما دوِّبتها و عزِّلت، سيبها بقا. و لاَّ عايز تورث صاحب البيت ع الحيا؟ و بدل ما تسيبه يأجرها تأجرها انت م الباطن. حرام دا و لاَّ حلال؟
ـ لاكن تفتكر على كدا ح يفوق فين؟
ـ لو ربنا سبحانه و تعالي ما وقف لهوش واد ابن حلال يسكعه دستة اقلام على كل سدغ يمكن يوصل بحالته دي لحد "واد مدني"!
اتطلعت ريح الكنبة. تلات أزايز "بولاناكي" متدعورين. قمت عيني يم "سُلُم". قام "سُلُم" هازز دماغه و ضاف:
ـ و إزازة السبرتو اللي كانت هنا!
ـ ما افتكرش ح يهِّوب يمتنا تاني!
ـ أظن كدا!
***
في ضي ثقتي بإن الصحافة رسالة. و في ضل فشلي لحد ديك الوقت في دخول رحاب صاحبة الجلالة بصفة رسمي، رغم صحوبيتنا لصحفيين كبار عملت جريدة حيط. و خلال ما باكتب حكمة اليوم بعرض الجريدة، اللي ما كانت ش تزيد عن فرخ ورق أبيض اركانه الاربعة تبِّتهم في الحجر باربع مسامير حدادي، الباب خبَّط. انحدفت موش أفتح و بس لاكن أهزَّأ اللي ظن إن دي شقة بصحيح و لها زي كل الشقق باب. و اتسبب بالتالي في قطع حبل تفكيري، حبل إيه؟ "سلبة" تفكيري.
و الحقيقة كنت كتبت "لا إلاه..." و التخبيط نرفزني. رميت القلم "الفلو" من إيدي.
اللي خبَّط دخل "دش بارد" قابله. و بدل ما يشكرني ع المعلومات اللي ما بخلت ش عليه بها، خلال الدش، بشأن السقاطة اللي تمكِّن أي داخل م الدخول على طول من غير لا إحم و لا دستور، لقيته شاور ع الجريدة الفقايري بتاعتنا و قال بصوت المُذيع "الثوري" الأولاني في البرنامج العام، اللي نهنه بدموع بنت فقدت تو عذريتها، بعد كدا باقل من سنة واحدة عُقب الزعيم الملهوم" ما اتنحي:
ـ إيه يا أستاذ دا؟
ـ فيه إيه؟
ـ مين اللي كتب الكفر دا؟
دافعت عن نفسي بحرارة. بس في نص دفاعي سِكِت. فالدفاع تغريق. عايز تلبِّس أي حد أي تهمة دافع عنه. أما هو فهز دقنه. و كمِّل:
ـ بقا انت كنت ح تكمِّلها؟
و دمدم ع السؤال بسؤال استعجابي:
ـ و النبي إيه؟!؟
و دوغري حب يكسب فيَّ ـ الظاهر ـ ثواب. مد إيده على أقرب قلم "فلو" في علبة الألوان. القلم طلع اصفر. و الأصفر قريِّب م الأبيض: لون فرخ الورق. كتب و اتأمل اللي كتبه من كذا كام زاوية. و طبيعي إيمانه، موش غباؤه، يساهم في اعجابه باللي كتبه.
و انا من ناحيتي قلت اللي يقنص لك النهار دا ح يفبرك و يلبِّس ك بكرا. و سيبت الحكمة على كدا. بس طلبت منه يسيب إمضته تحت اللي كتبه من كتر الاعتزاز لحد سقف الغرور بخط إيده.
رسمت سياسة الجريدة في ضل الظروف المحاوطة بحيث أي حد يكتب أي خبر و لاَّ مقالة بخط إيده في ورقة بمعرفته و بعدين يطبقها جامد زي ما تكون حجاب و يعلَّقها بدبوس في أي مكان خالي للي يحب يفردها و يقراها براحته. بس الأمر ماخلي ش من قطع مقالة سُخنة و لا خبر حرِّيف من أي مطبوعة و تطبيقها و تعليقها بنفس طريقة تعليق المواد المتألفة. و للساني فاكر المقالة اللي "طاها حسين" كتبها في جريدة "الجمهورية" رد على سلسلة مقالات كتبها شخص اسمه "برهيم الورداني". و السلسلة دي صاحبها كتبها بعنوان "أين أدب الثورة؟". و سيادته صال و جال في مجالات عريضة: و قعد يسأل و يستعجب و يستغرب: يا ترى الأديب في بلادنا ح يستلهم الأدب العربي المتقعِّر؟ و لاَّ الأدب اليوناني-الروماني أدب العفاريت و الخرافات؟ و لاَّ الأدب الانجليزي و الفرنساوي بتوع الاستعمار؟
أمال الأديب يستلهم إيه يا مولانا ؟
قال ك: يستلهم مُنجزات الثورة: تأميم قنال السويس و تمصير الشرك الأجنبية و السد العالي و الاصلاح الزراعي...إلخ
و لما سيادته كان واقف بالطريقة دي في ضل الرماح و السيوف بتاع بدو 23 يوليو/أبيب، فكان طبيعي مع "المتعلمين المصريين" كلهم تم ن يتِّعظو و يتحلُّو بالحكمة و يلزمو الصمت البليغ فروس الديابة كانت طايرة على اولة و في كل الجية. مافي ش غير "طاها حسين" اللي طلع عليه "طلوع المنون"، على رأي "الشاعر على محمود طاها"، في مقالة في جريدة "الجمهورية" باسم "نريد الأدب الثوري لا أدب الثورة"!
قريت المقالة بتاع "طاها حسين" و تنتني أقرا فيها لحد ما حفضتها ايامها و للساع لازقة في ذاكرتي فِقَر منها لحد دا الوقت:
"و هو لم يقرأ الأدب العربي القديم و لو قرأه لما استطاع إليه فهماً"
"و هو لغباءٍ في جبلته لا يُدرك الفرق بين الأدب الفرنسي و الانجليزي و الاستعمارين الفرنسي و الانجليزي، و لا يعرف أن أديب انجلترا الكبير "برنارد شو" جُرح برصاص البوليس الانجليزي خلال مُظاهرة نظَّمتها جمعية الصداقة البريطانية-المصرية في أحد شوارع لندن في سبيل مطالبة حكومة "باكنجهام" بمنح مصر الاستقلال...إلخ
و دي المقالة اللي قطعتها م جريدتها و طبَّقتها و علَّقتها و فقدتها في غارة صديقة!
(3)
كنا بناديه بلقب دكتور جمال. مع إن الشاب النحيف دا كان للساع في سنة أولى-كلية الطب. بس اللقب دا حازه عن جدارة في ضي الدور المحوري اللي احتله في حياتنا: احتياطي استراتيجي. كل ما تغفلق و نلاقي نفسنا، احنا التلاتة، السكَّان الرئيسيين في "شقة خيرت"، ع "الجنت"، ناخد بعضنا و نروح نخبَّط عليه في البيت في "الصليبة" قرب سبيل "أم عباس" حتى لو كنا في نص الليل.
صحيح زعبوبة كانت بتهب كل مرة جوا في الشقة، أمه و اخواته البنات صوتهم يطلع لرب السما، و يخرق وداننا في أودة الصالون. لاكن في النهاية النصر كان دايم ن يحالف دكتور "جمال". و بالتالي احنا التلاتة، "سُلُم" و "درش" و الحر الفقير كنا ناخد نفسنا. بس الشهادة لوجه الحقيقة عمرنا ما طرقنا باب الدكتور "جمال" إلاَّ و احنا مافي ش و نقع من طولنا.
و في إطار تمتين علاقته بـ "شقة خيرت" "سُلم" دخَّل عليه إنه أديب واعد، في وزن "يوسف إدريس" اللي كان هو راخر دكتور، بس أدبه، موش طبه هو اللي كسَّر الدنيا، و حط اسمه على كل لسان في مصر و برا مصر. و في كل مرة "سُلُم" كان يميِّل على ودنه و يوشوشه كلمتين. و لما صوت "سُلُم" كان طالع على أد د.جمال. فما كنت ش باسمع أي حرف، بس كنت باشوف د. جمال بيهز دماغه ساعتها، هزة إقتناع ما يقل ش عن السجود.
***
فيه علاقات بتمر قدامنا من وقت للتاني بس تتنها محيَّرانا وقت طويل. و كل ما نيجي نحل غموضها تاخدنا أكتر و تغوَّط في بحور الحيرة: واحد غني و وسيم و ميِّت في دباديب واحدة خلقتها تقطع الخميرة م البيت! واحد طول بعرض، يفصَّل تلاتة و تلقاه بيخاف من حتة عيِّل سفرووت يتحط في جيب الساعة في سديري! واحدة خانفة و كِشرة و مشلضمة و شغالة مُذيعة في محطة تلفزيونية.
نفس العلاقة كانت بين "درش" و قبقابه.
القبقاب كان بينطوي على غموض غامق. و لما "درش" كان بيوفَّر الكلام، جايز لغريزة في جبلِّته و جايز شايف الكلام عمره ما عدل مايل، فالغموض دا تنه زي ماهو. و دا اللي كان بيحفزِّني كل شوي أحاول أفك طية و لاَّ طيتين م الغموض دا.
مرة ركِّزت على أبعاد القبقاب. شيلت عينيَّ يم "درش". سألت:
ـ اللي فصَّل ك القبقاب دا كان عامل حسابه ح تاخد حد وراك!
و في يوم راجع من برا، و ع الرصيف، قدام الدكان بتاع عم "جاد الشندويلي"، اللي استبشاره بالماضي اللي راجع راجع تنه مالي وشه بتبسيم عريض مافارق هوش بالمرة. إلاّ وألاقي سي "درش" ساند "قبقابه" فردة ريح أختها في الشباك اللي بيطل على شارع "خيرت".
طلعت. قعدت أبص للقبقاب مرة و ابص لـ "درش" مرتين. و لما "درش" الكلام كان بيطلع من بقه زي الضافر من لحمه. لقيته مصمص شفتيره. قمت استفهمت:
ـ إنت حمِّيته!
راح "درش" هازز دماغه. و من قعدته في ريحي راح باعت رموش عينيه تملِّس عليه، زي ما يكون بيبوسه.
رجعت استفهم:
ـ طيب ما انت ش خايف لا فردة تقع على قلة دماغ حد رايح يصلي الفجر حاضر في جامع "الست"، تجيب أجله!
و لما "درش" هز كتافه. شرحت:
ـ أنا ما باقول ك ش ما تحمِّي هوش و ما تليِّف هوش بس كنت شمِّسته في الشباك التاني اللي بيطل ع الحارة دا... الرجْل فيها عزيزة و بالتالي احتمالات سقوط ضحايا له...
بصيت لقيت "درش" بعت عينيه تستكشف الشباك التاني. و بعدين ساب عينيه واقفة ع الشباك لحد ما دركت مني لوحدي إن الشمس مخاصماه، حتى في عز الضحا.
بس بمرور الوقت عرفنا إن القبقاب دا بيتمتع بسبع أسرار. و ما اكتشف ناش السبع أسرار دول إلاَّ بالتدريج، واحد ورا واحد.
أول سر اشتغل كسلاح دمار شامل ضد الصراصير، و في مرحلة تالية ضد العِرَس، و بعد كدا ضد الفيران. بس القبقاب دا كان بيضن بسره دا ع الكل إلاَّ صاحبه. فكل طلقة من إيد "درش" كان لا بد توقَّع صيد. و هنا قرِّينا بإن "درش" حكيم، ما يقل ش عن "جحا". و ماكان ش محتفظ بالقبقاب دا إلاَّ لأهداف تعز على فهم أي حد تاني غيره. فلو كان ع "المداسات"، و دا اللي خمِّناه في الأوِّل، "البلاستيك" تحت اسم "خدوجة" و "زنوبة" كان غزا كل البيوت و زحول و في نهاية المطاف زاح قولة "قبقاب" و "كاتانيللا" و قبلهم "مركوب" و "بُلغة"...إلخ.
تاني سر اشتغل كمخدة، بس الفردتين يتلفو في بنطلون، فوطة، أي حتة قماش ع شان بس تكسر حروفه الحادة. و دا راجع لأسباب تتعلَّق بالسرير بتاعنا، اللي كان ناقصه شوية "إكسسوارات" بُساط ع شان يستحق اسم سرير بالمعنى المدروج في أي قاموس محترم. غيرشي الشهادة للحقيقة ـ و دي عن تجربة ـ النومة عليه كان لها مُتعة خصوصي، يعني موش بعيدة أبدن النايم عليه يحلم بأجمل ممثلات، الشاشة عرفتهم. أنا بذاتي حلمت بـ "مارلين مونرو" في حضني طول الليل إيل ما اني نايم. و في أقل القليل القبقاب المسحور دا كان بيبعد ـ قولة ـ كوابيس عن النايم طول ما هو نايم لحد ما يفتَّح عينيه. و في اللحظة دي، القبقاب يكون خلي مسؤولية، زي ما تقول سلِّم عُهدة.
تالت سر، صحيح كان خشب جميز، بس كان أمتن م الحديد. و الواضح لفلاح زيي، إن أمه مقطوعة في شهر بؤونة فلاَّق الحجر و معطونة في ماية طوبة اللي بتخلي الصبية كركوبة. فكنا لما ندؤره في مراية السرير، تثبت في مطرحها، لحد ـ شوف ـ لو حبِّينا نحرِّكها، احنا نفسنا، ما تتحرك ش، إلاَّ فين و فين. بس قبقابيته ما كشفت ش عن متانتها بجد إلاَّ ديك اليوم لما رجعنا "سُلُم" و انا و لقينا ـ لدهشتنا ـ "درش" نايم عادي نومة العازب في السرير و تحت راسه قبقابه المسحور ملفوف لفة محكمة. و حجر مبطط كان ينفع زمان وش رحاية، ريح السرير.
ـ إيه اللي حواك يا "درش" تجيب الحجر دا م الشارع هنا؟
"درش" بسِّم. قام براسه من على قبقابه. فرك عينيه. استفهم:
ـ حجر إيه اللي بتتكلمو عليه دا؟
"الحر الفقير" استغرب:
ـ و هو البيت يعني ناقص حجارة يا "درش"؟
"سُلُم" ديَّر وشه يمتي. قال:
ـ جايز "درش" يكون عنده نظرية خطيرة بس غايبة عننا؟
هزيت "درش" من كتفه جامد. قلت:
ـ قوم يا "درش" فطَّمنا ع "النظرية الحجري" بتاعتك!
خمِّنت إن "درش" جاب الحجر و نام قام نسي. شاورت ع الحجر ريح السرير مافي ش بينه و بين العارضة أكتر من قيراطين اتنين:
ـ بص يا سي "درش" ع اللي جبته سيادتك من تحت م الشارع!
"درش" ما كدِّب ش خبر. بص لتحت. بصته طالت منه لحد ما خفت ليكون ش الحجر نقل حجريته له قام انسخط. شلت إيدي هزيت كتفه اليمين. كتفه ما استجاب ش لهزتي. خوفي زاد.
و فين لقينا سي "درش" عوج رقبته لفوق و بحلق في السقف.
"سُلُم" وقف في وسط الأودة. و الحر الفقير شبط، بصفته أطول و في نفس الوقت أنحف واحد في التالوت، على كتافه. و بقوة القوي ومافي ش غيره قوي دأرت القبقاب، فردة عكس اختها في الفتحة اللي كانت انفتحت منها لوحدها وقت "درش" ما كان بيعزف خلال نومه التقيل حبتين،عزف منفرد في السرير الفرداني في الأودة.
نفِّذنا الإصلاح المطلوب مننا، "سُلُم" و أنا، بعون الحق سبحانه و بركة العجز و قبقاب سي "درش". في حين "درش" تنه واقف إيل ما احنا شغالين و هو مدلدل دراعينه في جنبينه. و وقتها خمِّنت إنه رضا و استسلام، و ما عرفناش إلاَّ فين إن الأمر كان رفض و احتجاج. و الظاهر "درش" شاف في توظيف قبقابه في أداء مهام م النوع دا حططان من شان قبقابية القبقاب بتاعه!
رابع سر: حرام في شرع الحر الفقير لما اكشف كل اسرار أي كائن مرة واحدة.
(4)
حوِّدت على عم " جاد الشندويلي" مكوجي الطرابيش، اللي تنه فاتح بعد الناس كل الناس ما قلعو الطرابيش. و لو انه تنه شبطان في حلمه الخصوصي: إمبارح يرجع و يكون بكرا.
قعدت أتأمل المكواة، و دي عبارة عن أسطوانة-نحاس أصفر أصيل كان بيكبس فيها الطربوش من دول في الزمن الجميل اللي راح.
طلعت مني تنهيدة. قام هو بص لي بتأني. قال:
ـ انت باين عليك ابن ناس...
ربك و الحق خفت لا يكون المديح دا مقدمة ح يقول لي بعدها عندي لك طربوش تفصيل، قمت لحقت قلت:
ـ تقديرك في محله. بس البيت بتاعنا فيه مرات أب...
ـ و والدتك متوفية؟
ـ تقدر تقول كدا، و برده ما تقدرش تقول كدا.
اتطلَّع لي من سُكات. شرحت:
ـ هي عايشة صحيح بس لا حيلتها و لا ديلتها!
بصِّيت للمكواة الباردة و لصوابع إيديه. قام هو لقط. شرح:
ـ أنا قاعد طول النهار باعد في البني أدمين و الحمير اللي بيعدو عليَّ قدام الدكان...
شرنقت يمته و برنقت. كمِّل:
ـ و كل يوم ألقى البني أدمين قلو عن اليوم اللي قبليه!
(5)
"سُلُم" كان إنسان بالمعنى: يتحط ع الجرح يبرد. ياما نصب ع البقالين في طول و عرض "السيدة زينب" و جاب لنا غدا يكفي عشر-ت-انفار. غير كدا كان كريم. ياما نزل الشارع و مافي ش و يرجع بنسوان "ألاجا" على سنجة عشرة. و يسيبهم لنا و يلبس بدلتي "رقبة الحمامة" ـ دا لو ما كان ش لابسها ـ و ياخد بعضه و يمشي. و لولا قابلته كنت ح اقعد فين استنى جواب "القوى العاملة" سنتين طوال و آدي احنا ماشيين في التالتة، تحت سقف و بين أربع جدران؟ صحيح ما كان ش بيستريَّح للنكت إياها. و ياما قال:
ـ موش عايز أسمع نكت م النوع دا في الأودة بتاعتي يا اهل الخير!
بس كنا بنَّكت برده من وراه. و ساعات الحر الفقير كان ينكِّت قدامه لمَّا تُحبك. فالنكت كانت في الوقت دا صمام أمان لولاه الواحد كان انفجر. زيد على كدا كانت عملة رايجة بين كل الطبقات و الفيات على "ابن البوسطجي" اللي صحي بدري يوم اربع لقاها بيضة مقشَّرة في حجره. بس برده لازم نعذر "سُلُم". أهو كان خايف علينا برده لانروح ورا الشمس. فياما ناس انخفو موش ع شان نكِّتو لأ ، جارو الجو بالدحك على نكتة م النكت إياها اللي بتمسخر في "الزعيم الملهوم" ي في حد من حاشيته!
لاكن إيه اللي كان بيخللي ني أحوش السؤال اللي كان دايم ن ييجي على بالي كل ما يقول "أودتي":
ـ بتسمِّي دي أودة دي؟
جايز ع شان كنت شايف الرد واقف تمللي على طرف لسانه.
و بعدين كان مالها؟ أودة آخر "منجها"، بلغوة ولاد السواحل. صحيح السقف كان محتاج شوية ترميم بس بُساط. و على أي حال، الدنيا ما نطرت ش كتير السنة دي، زي ما كانت بتنطر إيام زمان: الشتا باين بقا مغشوش هو راخر. بس ربنا سبحانه له ـ أكيد ـ حكمة في كدا. لو الشتا تنه سادق زي زمان، النطرة كانت نحلت وبرنا.
و حتى أوِّل يوم اتعرَّفت فيه عليه ع القهوة، اللي نصاحة أستاذنا "يحيى حقي" زقلتنا عليها، ما خسرت ش أكتر م الساعة "الجوفيال"، اللي صديقي "عفيف فراج" اللبناني الدرزي كان جابهالي هدية م الخليج في أوِّل زيارة له لمصر تاني سنة بعد ما اتخرج معاي من قسم انجليزي.
و على أي حال كان لازمتها إيه ساعة فخيمة بالشكل دا معايا؟
يا فرحتي كانت بتلعط بالنهار و تنوَّر بالليل! بس لا شغل عندي و لا مواعيد رسمي.
لاكن تلات-ت-اشهر آخر نغنغة! ندرى على كدا. "درش" و لاَّ الحر الفقير. لغاية ما انزرع لكو "سُلُم" على وش الفجر في باب "الأودة". واقف لا راضي يدخل و لا عايز يرجع. اتنترت من قعدتي وقفت مزروع أنا راخر قدام منه.
كم ك دا؟ كتف ك دا؟ ركبتك دي؟ أكيد ناطط يا "سُلُم" من فتحة ديَّقة.
يحاول يدحك على راحته زي ما كان بيدحك ما يقدرش.
الوش الانساني لما بيتفدَّغ الدحك بيخاصمه. و صاحبه لو حاول يجبره ع الدحك بيبقا بشع بشاعة فظيعة: الشفة الفوقانية موش عارف بتنشد لفوق إزاي زي ما يكون فيه استك، بس ديَّق. والاسنان بتبان بجدورها و الحنك بينعوج على جنب.
ح اسأل عن اللي حصل لـ "سُلُم"؟ طيب ما الجواب واضح. اتنهدت جامد. غيرشي هو حب يحط اللي شايله عن كتافه. فلسف الأمر. قال:
ـ طول ما اني راسم قدامها إني متريِّش، إبن ناس متريِّشين، و "الشيك" ـ و سحب واحدة اسكندراني من ضوافر رجليه ـ في الطريق. خلاص كله تمام التمام.
ـ لاكن إيه اللي جاب حكاية "الشيك" دي عل دماغ ك؟
ـ ما تعرف ش إلهام من ربنا في زنقة مؤمن، و لاَّ جُبرانية خاطر من واحد ولي م الأوليا الصالحين. بس حد يعرف يفسَّر لي إيه اللي يخلِّيها تجيب لنا " عطيات" علاوة ع الطبيخ؟ غير حلمها بفجر وردي ح يطلع أكيد في المدى الرحيب. و دا الحلم اللي محسوب ك شعلله في خيالها. حاكم مهمة أي حد عايز يقود، سيان كان في السلطة و لاَّ ما كان ش هي إيه؟
ـ إيه؟
ـ يشعلل خيال اللي ماشي وراه. و مافي ش فيه أحسن في السكة دي م الوعود، و كل ما تكون وردي أكتر كل الأتباع ما يتمرغو أكتر في سجودهم. قال و توصِّيها علينا: خللي بال ك منهم أصلهم ولاد أصول ـ و سحب واحدة تاني اسكندراني برده ـ و توصِّينا عليها: و انتو ما تتكوش عليها أوي. لاحسن البت زغيرة يا ضنايا، جايبة يا دوب بطن واحدة. و جوزها منه للاه. و كان ممكن أوي تتنها سعيدة و احنا سُعدا لما شاء مين؟
ـ أمال إيه حصل؟
ـ غباي دكر!
ـ إزاي؟
ـ طعنتها.
ـ في خيالها؟
ـ بالظبط كدا.
***
إزاي "سُلُم" سلت نفسه م السرير من بيننا احنا الاتنين، "درش" و انا؟ أتطلع للشماعة، ألقا قميص "سُلُم" الأزرق و بنطلونه الأحمر، مطرح بدلتي اليتيمة. لو لبست طقم "سُلُم" الحلمنتيشي دا. البوليس ح يرحِّلني، حسب تعليمات الصاغ زكريا محيي الدين رئيس الوزرا على موطني الأصلي في الصعيد، في الواحات، مطرح ما يطق في دماغهم، مهما حلفت لهم إن الحر الفقير موش من هناك. فالمواطنين عند الحكومات الثورية دايم ن كدابين، و الإي ش لما المواطن دا يكون واحد زيي بلبسه دا: قرداتي ـ بكل تأكيد ـ بس ناقصه قرده.
اليأس يركبني. أشيل عيني عن بدلة "سُلُم". أتأمل بدلة "درش". أمط بوزي. أرجع أتأمل البدلة و الأدق البنطلون اللي يستحيل تعرف لونه الأصلي، موش نتيجة لأي بهَتان حط عليه ـ لا سمح اللاه ـ لاكن بسبب "منخوليته" العالية. فـ "المنخولية" لما تعقَّر تقوم تحوُّل القماش لشاش. و وي عملية التحوُّل دي يصاحبها تحوُّل موازي ـ و دا شيئ إلاهي ـ لأي لون أيان كان، للون الكالح يعني اللي بيعافر و موش قادر يرسى ع اللون الأبيض، لون الشاش. أما "الزاكتة" فبلاش نهدر في الوقت.
أتنهد.
صفري شمس أرجع من مطرح ما كنت، ألاقي مين قاعد مقعبز في السرير، غير سي "درش". أبادر:
ـ ما رحت ش الشغل ليه؟
ـ إيه اللي خلاك تاخد بدلتي تلبسها بالشكل دا؟
ـ هدوم "سُلُم" ما كانت قدام ك ما لبستهاش ليه؟
ـ هو خد بدلتك، ذنبي إيه أنا ع شان تاخد بدلتي؟
ـ عيب ك يا "درش" المدخل الشرعي دا للأمور.
ـ آخر يوم في الأجازات العرضي خدته النهاردا، عاجب ك كدا؟
ـ شوف رك ك ع الصحيان بدري، تكسب لك بدلة، و فيه غيرك بيكسب له دولة!
و مديت إيدي فكِّيت أول زرار في زاكتة سي "درش" اللي كانت شالحة شوي زغيرة عليَّ ما يبانوش إلاِّ للِّرقم. و سلت دراعي من كمها.

***
قاعد في السرير مغطي اقصاب رجلي بجورنالين واحد "جمهورية" و واحد "أهرام"، لقيت سي "درش" داخل عليَّ ناقص زاكتته اللي كانت ُبني و الزمن لحس لونها فبقت أقرب ما يكون لـ "البيج". بصيت عليه فهمت إن فيه حد خطفها منه. و اللي أكِّد التخمين دا القميص بتاعه اللي كان منتوش من قرب الياقة. و دا خلاني أرسى على إن "درش" قاوم، موش ما ماقاومش، و مقاومة مجنونة.
تنه واقف، ليه موش عارف. و ما قعدش إلاَّ لما عزمت عليه زي ما يكون ضيف. قعد ع الكنبة العريانة، اللي كانت أعظم عمل فني "سُلُم" نجح في تأليفه. بس مادته الخام كانت عبارة عن أي خشب اصحابه بيرموه في الشوارع المجاورة لشارعنا ي بيقع م العربيات الكارو بتاع الزبالة. حبِّيت أنشله من همه. غيرشي ربنا ما فتح ش عليَّ غير بالعبارة دي:
ـ يا ما قلت لك زرَّرها كويس، بدل ما انت ماشي فاتح لي سدرك زي ما تكون الكابتن "رفعت الفناجيلي" اللي للساه جايب جونين في نادي "الزمالك" إمبارح!
سي "درش" سمع العبارة كويس مني. بس خيِّب ظني: تنه غرقان في همه.
حسيت بالذنب تجاهه. ليه؟ ما اعرف ش. شوي و قعدت انقي في العبارة اللي ح أعزِّيه بها في محنته دي، زي اللي بينقو الزمير م القمح. و فين ربنا فتح عليَّ قلت:
ـ خطف الزاكتة دي بتاع سيادتك بينطوي على مغزى كبير بالنسبة لنا إحنا التلاتة...
سي "درش" عوج عنقه يمتي. وضَّحت:
ـ في الخطف دليل دامغ، موش عايزة مناهدة، على وجود ناس أفقر مننا. و بالتالي إحنا نبقا إيه؟ جزء ما يتجزَّأش م الطبقة البورجوازية، اللي هي قاطرة التاريخ. و بالتالي معنوياتنا ح تترفع عن الحضيض، اللي كانت نزلت له بصفتنا أفقر شريحة في الفقرا، يعني باختصار: كنا رعاع و ما بقيناش. و دا نتاج ـ صحيح عرضي ـ بس نتاج لعملية الخطف دي!
بصِّيت لقيت سي "درش" كلامي ما حوَّأش فيه. سكت شوي و بعدين ربنا لهمني قلت:
ـ ... ما تزعَّل ش نفسك جامد كدا يا "درش" يا خوي "الزاكتة" اللي ضاعت دي عمرها الافتراضي كان اتنهى من زمان!
اندفع و دي كانت م المرات القليِّلة اللي شُحنة الكلام اللي جواه تغلبه. قال:
ـ عمر افتراضي إيه بس؟ إذا كنت ش شاريها كدا على حالتها اللي كانت عليها دي!
ـ من "وكالة البلح"؟
بص لي باستغراب. فتح صينية إيديه. مصمص شفتيره, ديَّر وشه بعيد عني. دركت لوحدي إن مستواه الاجتماعي لو كان يسمح له بشرا أي هدوم من أي محل محترم ما كان ش سكن السكن دا، و لا عاش العيشة دي، مع نوعيتنا. و هنا كنت عذرته في استخساره للكلام. بس أكتفي بكدا و أرمي مشكلة صديق زيه ورا ضهري؟ ما خلَّصني ش. قعدت أعصر في تفكيري و شوي و ربنا سبحانه لهمني فكرة. و ما بخلت ش بها عليه. دوغري حطِّيتها قدام عينيه و تحت ودانه:
ـ العواطلية في الشارع بتاعنا على قفا مين يشيل و في الشوارع المجاورة زي الرز. و فيه بينهم دبلومات و بكالوريوسات لو حبيت. و العواطلية جدعان. بس جدعنتهم نايمة، لاكن أقل القليل يصحِّيها... و بأبسط طريقة نشكِّل تجريدة ثورية تروح تحرر زاكتة سيادتك من إيدين "العُربان" اللي انسقطو عليك النهار دا في غزوة النجاح حالفها بقوة، زي ما حالف غزوة "بدر" سوا...
بصيت لقيت "درش" مد إيده على ورقة مكتوبة بحبر شيني. كانت ـ الظاهر ـ القصة القصيُّرة "اللي سُلُم". ما كتب ش غيرها طول مسيرته الأدبية. راح سي "درش" قالبها ع الوش التاني لقاها مكتوبة برده. طقطق. قايس. لقط قلم حرَّس يكون أحمر ـ جايز ع شان كان متنرفز حبتين ـ و قعد يكتب ما تعرف ش في حجاب و لاَّ بيحسب نجم ما اعرف ش مين. شوي و هز دقنه أسف. استفسرت:
ـ طلع إيه؟
قال:
ـ لما ما ترجع ش أرخص!
***
"سُلُم" رجع صايد. فتح اللفة قدامنا إحنا التلاتة. و ع الريحة القطة جات اتمسَّحت فيَّ شوي. نونوت. انضمت لنا. "سُلُم" بدا من غير حد ما يطلب منه:
ـ عايز أديكو كلمتين بُساط في الموضوع، يعني بلغة الأكاديميين "مُقدمة"...
ـ ما يكون ش قصدك "توطئة"؟
ـ "توطئة" ـ و رب الكعبة ـ أنسب: إنت مثل ن لما إديت ني الساعة بتاعتك يوم ما تقابلنا أول مرةَّ...
ـ أنا إديت ها لك برده؟
ـ هو انت نسيت لما حلِّيت الأوستيك بنفسك من إيدك و ناولت هالي؟
ـ أيوا. بس ع شان تتفرَّج عليها، تتعايق بها شوي!
ـ يعني خدتها منك بصنعة لطافة؟ موش كدا؟
ـ ... أيوا
ـ ما فرقت ش كتير. و منك على طول على واحد ساعاتي في قلب ميدان "العتبة" معقل الساعاتية. إيه اللي ح يأخرني في عرض النبي و أهل البيت؟ ساعة بتلعط في إيدي و عصافير بتصوصو في بطني. تشتري دي؟ مد نص إيد، خدتها بصنعة و لطافة برده، رمتها جوا السندوق الإزاز قدام منه. و قعد يصلَّح في الرقاص اللي كان في إيده هو هواه. وقفت انا قدام منه أشحت. بصِّيت لقيت شمس العصاري عدَّت و شمس المغارب داخلة، و ما بدهاش. مديِّت إيدي قلت له: طيِّب حيث كدا صحح لي شوية البرايز بتوع ك دول جني...
ـ و كان لزومه إيه التصحيح؟
ـ ما باحب ش أبان جدع فقير: دمه دايم ن مهدور. بس قبل ما امشي جا على بالي أقول له: الساعة كدا تبقا مرهونة موش مبيوعة يا "لوح". كلمة قلتها في سري، بس هو لقطها. ما تقول لي ش إزاي؟ غيرشي الكلمة دي بعتت الشتيمة و قلة القيمة لامي مطرح ما هي راقدة. و دوغري خطفت رجلي على اسمها إيه "أم صبحي" طباخة "المنيل". قلت لها: إعملي لنا طبخة على زوقك و خلي الباقي اللي هو بالميِّت خالص أزيد من تمن طبختين، ع شان ك. بقيت في نظرها إيه؟ سوبر غني. و طبيعي لما أقول لها بعد كدا: إعملي لنا طبخة على زوقك على بال "الشيك" ما ييجي م "السويس" ح تقول لي: لأ؟ و مرة في مرة لقت نفسها إتورَّطت. و في اللحظة دي تفكيرها خد وجهة تانية.
ـ إزاي؟
ـ ُُصعُب عليها تقول لي: لأ، يعني ترفض، خوف لا تخسر اللي فات و ما بقاش قدامها إلاَّ تحاول تحي اللي فات باللي جاي! و بكدا لقت نفسها دخلت في حلقة متفرَّغة ما لهاش نهاية!
ـ بس دي كانت طباخة غلبانة يا "سُلُم"!
ـ و ع شان كدا حبيت أدي ها درس ينفعها طول عمرها، خلاصته: الدنيا دي ماهي ش سهلة أبدن، و صحيح فيها ولاد حلال و ولاد حرام، بس ولاد الحرام أكتر!
ـ درس إيه اللي يطْول منك لحد ما يستمر تلات –ت-اشهر؟
ـ و كان ممكن أوي ـ و حياتك ـ يستمر فوق عن التلات-ت-اشهر دول.
ـ أمال اللي حاش ك عنها؟
ـ سيدي "الغريب".
ـ إزاي؟
ـ جاني في الحلم و انا نايم على سماخ ودني على قبقاب سي "درش" قال لي: حل عن سماها بقا. و بعبارة تانية: ضميري ما خلص ني ش!
ـ لأ. ضمير حي!
ـ الضمير اللي موش عاجب ك دا، هو اللي خلاني أقايس و اروح قاعد في ريح منها فخد في فخد في ليلة م الليالي النحس، و اعترف لها بكل شيء. و لأوِّل مرة تعاملني ـ يا ابن رسول اللاه ـ على أساس إني فقير زيها. بس قبل ما انسى عايز أعرَّف ك إن الواحد ضميره بيستريح بعد "الآخر" ما ياخد حقه من زمارة رقبته.
ـ كانت لوحدها؟
ـ أمال إيه اللي شجَّعني أعترف لها بحقيقتي: فقير دُقة. و دا في الأودة بتاعتها في بير السلم في العمارة اللي صاحبها قُرُف منها. و انا باقول في عقل بالي لو الأمر احتاج مني واحد و لاَّ اتنين ما في ش مانع. دي ني أغمَّض و اتخيِّل. و الواحد خياله، الحمد له و الشكر. و لو أن أستاذنا "يحيي حقي" موش عايز يعترف به لحد دا الوقت!
ـ و اتخيِّلت؟
ـ موش عارف إيه اللي دايم ن يفشِّل خطط المصريين م التنمية و نازل؟
ـ إيه اللي حصل؟
ـ الأرض انشقت حدفت لك اربع جبابرة شاربين من بز امهم، "موش يفتحو برلين" و بس، يهدو جبال "الأولمب". أنا موش عارف ما احناش عارفين نصلَّح الصحرا اللي خانقة السنيح الاخضر حولين نهر النيل دا ليه بدام عندنا كل الشُّحطا دول؟ بس إيه؟
ـ إيه؟
ـ محسوب ك همِّدهم. و لما همْدو حبو يستريًّحو، قامو عملو لك الكنيف سجن خصوصي. إعزن البلد كانت ناقصة سجون. و طبيعي أي مسجون يبتدي يتعرَّف ع الحيطان. و الحيطان توريه طيقانها و شبابيكها. أمال ينط يهرب إزاي؟
***
السقَّاطة ترن رنينها الخشبي. مراة بطنها لمنخيرها تدخل. "سُلُم" يدخل وراها. يقفو هم الاتنين تحت بقعة الضي النازل م الخرم اللي ما رضي ش ينسد في السقف. "سُلُم" يهز دماغه زي أي تعلب مكسوف المرة دي من صيده. بس كسوفه ما ينعكس سي إلاَّ في نرفزة شياطيني:
ـ دي بقا "أم حسين" اللي شكرت لكو فيها يا اخوي انت و هو. يا نهار موش فايت! إنتو للساع نايمين و لاَّ متناومين؟
و عوج عنقه للسما خلال الشباك و زعق:
ـ بقا يا رب العزة دول ناس محرَّقين! الحق عليّ اللي صعبتو على جدعنتي! صحصح يا اخويا، أنترو الوخم اللي راكب أهاليكو دا. بس بالراحة ـ يا سيدي ـ إنت و هو عليها لاتسقط هنا يبقى نهارنا كوبيا. التامن يا لمض موش التاسع. نص ساعة مافي ش غيرها، إنت يا سي "بشندي" و سي "درش"، و "أبو حسين" ح يطب علينا ع شان ياخدها من شقتنا على بيتهم طوالي. أيوا مُستقيمة يا "درش" و دا غصب عنَّك! آهه م الغيط للبيت. ما تتكلمي ش إنتي! تكوني ش فاكرة نفسك جاية "جلسة حوار" في إطار تعريف مين هو "العامل"؟ في "مجلس الأمة" هنا! و لعلمك بقا يا سي "لمض"، "أم حسين" دي ما بتوفَّرش الخدمة دي لأي حد. مافي ش يادوب غير دايرة محدودة للغاية. بس أبو "حسين" ما ييجي ش يلاقي "أم حسين" للساع بتشتغل. أظن ما تبقاش لطيفة. لازم ن نراعي برده إنه، مهما كان، جوزها. بس ما بيدِّهوش.. موظف ع الدرجة السابعة بالبتاع دا اللي اسمه "البكالوريوه". و لاَّ يسيب نفسه يموت م الجوع هو و هي و "حسين". و المسألة في نهاية المطاف تحسبها زي ما تحسبها، تلاقيها ي تكافل اجتماعي ي تعاون اشتراكي ي محي فوارق...إلخ
عوجت عنقي يم "سُلُم" فحِّيت في ودنه:
ـ يعني ما لقيت ش يا "سُلُم" واحدة في السادس و لاَّ السابع؟
فح هو راخر في ودني:
ـ يعني شُكك و عايزها فطيرة!
***
طلعت الأتوبيس. "سُلُم" طلع وراي. أنقل خطوة في خطوة ناحية درجة أولى: أرْوق. أتلفت لورا ألمح فرخين سِمَّان فرو: ووت. ووت! واحد في ديل التاني. الأتوبيس قايم على آخر ما معاه. أعمل إيه؟ قبل المحطة و ساعة الأتوبيس ما هدَّى نطيت. و خدت بعضي ورجعت لورا. أسأل على خناقة كانت هنا. أبص يمين. أتطلَّع شمال. أرجع "12 ش خيرت"، على أمل "سُلُم" يكون فلت و رجع. هيهات!
في عز الليل الجواني و قبل الفجر ما يطلع بشوي زغيَّرة سي "سُلُم" دخل من برا على "كُبس" النور طوالي طفاه. قعدنا في ضل باهت هو الضل الجاي م الدكاكين الشحيحة اللي للساها فاتحة في ش "خيرت"، و هو مدِّيني ضهره. و أنا قلت في عقل بالي: حقه يداري اللي عايز يداريه عني في ظروف زي دي. سألت:
ـ إيه اللي حصل يا سُلُم"؟
بس موش عارف إيه خلاَّه يحكي أصل الحكاية بالطريقة دي:
ـ نفس الغلطة يا صاحبي، بس المرة دي عن سهو!
ـ إزاي؟
ـ واحد بقَّال من قعر البرجوازية افتكر انه عمل خدمة خصوصي لواحد من قمتها، يقوم البيه الكبير يقابله فجأة راكب زيه زيه الأتوبيس بتاع "الزفت العام"!
ـ واحدة واحدة!
ـ دخلت عليه لابس البدلة "رقبة الحمامة" بتاعتك.
و اتكى على كتفه اليمين جامد بإيده الشمال، بس ما قال ش آه. استفهم:
ـ على فكرة إيه اللي عتَّرك في بدلة "شيك" بالشكل دا؟
ـ ربنا.
ـ بكدا تكون فحمتني يا "منجوس"، حاكم أصلي موش مسدَّق حكاية "الباشا" اللي بيقولو لهفتها منه دي. الباشوات دا الوقت واقفين على باب "أم هاشم"!
مص شفته التحتانية. كمَِل:
ـ سيبك من دي دا الوقت. وقفت لك قدام "البنك" بتاع ابن ديك الكلب البقال دا، و شاورت له بطرف صباعي و قلت: كيلو بسطرمة، كيلو جبنة تلاجة، اتنين "روكفور" و سطر عيش فينوـ الفقرا اللي الناس، كل الناس مرشَّحاهم يسرقو و ينشلو و ينصبو يعرفو الأسامي دي؟ ـ لفهم لفة كدا زي الناس... أخ خ خ خ. ُحط اللفة جنب منك دقيقتين اتنين على بال ما ابعت لك الولد الشغَّال بالفلوس. كل دا و حلمه عمَّال يكبر و الخيال مداه براح. و دي تيجي يا سعادة البيه؟ ما اخدش اللفة في اللحظة دي ليه؟ بس إزاي؟ و انا باتأفف زي أي بيه. ليه؟ راقم التبسيمة اللي عمالة ترفرف على شفتيره. و لما لقيته ساجد للبدلة "رقبة الحمامة"، شاورت له زيادة في التأكيد على عمارة بحالها في الصف المقابل و قلت: أصلي سكنت في الشقة دي. قام اتطلَّع للعمارة. و في اللحظة اللي كان بيختار لي الشقة اللي أنا ساكنها على كيف كيفه ـ و حاول يسحب واحدة اسكندراني ـ و بكل حرية، أصلي ديمقراطي بس ديموقراطي سليم ـ خدت بعضي، أنا و اللفة و جيت 12 ش إيه؟ غلطان ش أنا؟
ـ عداك العيب!
(6)
رجْل كانت برا و التانية كانت للساع جوا و لقيت هم حاصروني في نفس واحد، بس بتوقير يقرَّب م التقديس:
ـ "دهن تمساح"؟
ـ "جوزة طيب"؟
ـ "فص أفيون"؟
و لما بان لي لا بد من وجود رد، و رد م اللي هو، لاجل احافظ ع المنزلة العالية اللي رفعوني لها، و لو انها بعون عامل خارجي خمنِّوه. قلت:
ـ و لا أي حاجة م اللي جا على دماغكو...
ـ أمال؟
ـ فلاَّح!
دوري كان جا وي الأدان و لما طلعت، تاني أدان كان بيلعلع من غابة المكرفونات في الفضا.
دخلت. ردِّيت الباب وراي. مكِّنت الخُدادية في مكانها المناسب. بديت أفك في زراير القميص. بصِّيت في العينين قابلتني شناغيب شرايين قايمة تحاصر النني. جيت أكمِّل فك الزراير، لقيت الزرار الأخراني عصْلج. ما تعبت ش نفسي وياه. و ما وقفت ش كتير على حاجبها اليمين المفتوح و الجرح مقفول بالبن. و ما سألت ش عن السبب من كتْر ما سألت قبل كدا و جاني نفس الرد: جوزي! غيرشي عينيها كانو خطفو عينيَّ. شوي و لقيت ني بأتأمِّل في الحصار الاحمراني الزاحف تجاه السواد الغامق. اتطلَّعت في وشها الطفولي المسحوب منه حاجة دون ن عن كل المرات اللي فاتت. و مع كدا بسِّمت من كل ملامحها، زي عوايدها: شغلتها حررتها من كل تمنُّع و أي إدعاء، بس التبسيمة دي بالذات ما كانت ش هي.
جضعت بجسمها لورا، زي ما تكون بتستعجل ني. زحزحِت المخدة وقَّفتها على سيفها لاجل تفسَّح لـراسها تستريَّح و في نفس الوقت تساعدني اخلَّص. فالطابور برا ماهوش قُصيَّر و جايز يطْول منه لنفسه. و بابنا ما كان ش يحتاج تخبيط زي ما انتو عارفين. فأي حد يقدر يلاقي نفسه دخل بدام يشد السُّقاطة الخشب، اللي كانت وسَّعت في عموم البيبان التانية للكوالين الألماني و بعدها الصيني من كذا كام جيل،
كنا اصطلحنا على تسميتها "غرفة العمليات" و هي ما كانت ش سوى جخنوق ينفع خزانة، برز لوحده ـ الظاهر ـ بين جدار و جدار. فالبيت نمرة 12 ش "خيرت" بالسيدة كان بيقع. و طبيعي لما بيت متين مبني بحجر رملي و كمر خشب "بتولا" زي البيت دا ييجي يقع ياخد وقت، هو الوقت اللي بيقاوم فيه قوانين الجاذبية. و احنا انتهزنا استبسال مقاومة البيت القديم دا لاجل نتَّاوى فيه و إيه؟ من غير ما ندفع مليم، في ضل أزمة السكن اللي كانت عمَّالة تشتد كل مدى. و طبيعي أكتر المقاومة دي تاخد أشكال ما تخطرش على بال، منها جدارين يلزقو في بعض، و سقفين يعلَّقو على بعض لحد ما يعملو سقف واحد. و دا هو السبب في السؤال اللي اصحابنا كانو دايم ن يسألوه لنا:
ـ هو البيت دا كام دور؟
لما عرضت عليها العرض اللي حمار عينيها لهم هولي، بقها انفتح منها. شالت راسها من رقدتها على ضهرها لاجل تحقق جامد في عيني. ردِّيت:
ـ أنا باتكلِّم بجد.
و ترجمْت كلامي لفعل: نترت عليها البطانية اللي ما كانت ش لا بتمتنع و لا بتتمنَّع تشغل ستارة إضافي خلال العمليات، و حبِّشتها حولين جسمها. قامت رفعت هي طرف الباطنية عن منخيرها. استفهمت:
ـ و انت...؟
ـ أنا إيه؟
شمرت مقصودها. دوِّكت ع السؤال بسؤال تاني ما لهوش لازمة:
ـ ح تطلع برا؟
بدل ما اقول لأ، هزِّيت دقني.
و ريَّحت ضهري ع الحيط و قعدت ريح منها حارس ددبان.
***
شدِّت لنفسها السُّقاطة الخشب لقت نفسها دخلت، زي ما اتعوِّدت من مدة. فشقتنا ما كانت ش شقة و لا بابنا كان باب. أول شعور ركبني كان الاستغراب. فاحنا كنا للساع الصبح بدري. و بدري أوي حتى على سرحان واحدة زي "عطيات" عايشة على تلقيط قوتها من هنا و هناك نظير "الشيئ البطال". الضي كان للساه طري و الهوا مغسول و الترماي اللي كان بيعدِّي كل حين و مين في شارعنا "خيرت" بـ "السيدة زينب" ماشي نعسان، عمَّال يتطوَّح ع الجنبين.
اتطلَّعِت لي و هي واقفة للساها في الباب. و لما اتطلَّعِت بسِّمِت لها على سبيل الترحيب، زي عوايدي وياها، و كمِّلت ترحيبي بها فقلت:
ـ تعا أدخلي!
دي كانت أول مرة تيجي من غير بنتها اللي كانت على كتفها. و طبيعي أسأل. و لدهشتي ردت رد كان لحد ديك الوقت يستحيل يطلع، في ظني، من أم. دحكت خطْف. فرقعت بصباعينها يم الشباك. استفهمت زيادة في التأكد:
ـ اتكَّلت؟
دحكت. قالت:
ـ خدت الشر و راحت!
افتكرت ـ ما تعرف ش ليه ـ القطط لما ياكلو ولادهم كآخر مهرب من خطر ما من هوش فرار.
صحيح ما كان ش حيلتي حتى اللضا أقدمه لها ع الفطار اللي منَّت نفسها ـ أكيد ـ و هي جاية، من مطرح ما كانت، لاجل تشاركني فيه بمتعة دافية، زي ما بتعمل كل شوي. بس الأصول أصول: لازم أرحَّب مهما كان الترحيب في الظرف دا برْو عتب. و بطبيعة الحال العلاقة بيني و بين "عطيات" و اللي زيها كانت تبتدي شغل: خدمة جسدية نظير أجر بيتفاوت حسب التساهيل. غيرشي العلاقة دي كانت بتتحوِّل منها لوحدها لحاجة تانية، إيه؟ أكدب لو أقول اعرف.
بس الظاهر ترحيبي ما خال ش عليها المرة دي. فالجوع ذل. و من كُتر ما هو كدا، بيفشش أي قناع و ينط يقعد يربَّع في الوشوش غصب عن اصحابها و يبات في سواد النني في نهاية المطاف. لاكن ما يشوف هوش أي أي و لا زي زي.
زمايلي الاتنين كانو مبلَّغين فرار: "سلامة رضوان" دخل بنعومة و سلاسة حرامي خريج معهد متخصص، قبل الفجر ما يشأشأ و ع شان أكون سادق أكتر، قبل ما افتَّح عينيَّ مع خفة نومي، في بدلتي "الشيك" و حبك ـ أكيد ـ قناعه على وشه ـ عادته و لاَّ ح يشتريها ـ و انخفى من تلات –ت-ايام لاجل يكافح في الأحراش و الغابات. و عدِّته و عتاده في كفاحه قناعه اللي بيباعد بينه و بين انتماؤه الاجتماعي بمسافة واسعة. أما بدلتي "رقبة الحمامة" اللي كانت بتيجي على مقاسه زي ما تكون تفصيل فكانت بتقدِّم لقناعه دا عون ما بعده و لا قبله عون في نفس السكة دي.
و التاني "مصطفى البرقي" فموظَّف و موش موظَّف: حتة دبلوم تجارة في حسابات شركة اسمها طويل يبتدي بالنصر و يتنهي بالمطروقات المعدنية، و كل ما الأزمة تشتد علينا احنا التلاتة، زي ما هو حاصل دا الوقت، يهرب يلبد، زي ما بيعمل تمللي عند قريبه "العامل" اللي عشت و عاصرت "الثورة المجيدة" بتاعتنا من غير ما اعرف له معنى. و بطبيعة الحال "الفلاسفة" بتوع "الثورة" المجيدة بتاعتنا، و على راسهم "الماركسيين" التايبين، كانو مطهومين وقتها في سبك تعريف متحدد ح يوصلو له عن قريب بإذنه تعالى، للمصطلح الاشتراكي العالي دا. و سي "درش" كان كل ما تغفلق يغطس هناك في اللي بيسمُّوها، هم الاتنين "درش" و قريبه، "شقة": زرتها مع "البرقي" مرة واحدة. و يومها اتشائمت من مصير العلاقة الودودة بين سي "درش" و قريبه دا. و رجَّحت إنه مطرود مطرود، مهما حاول يأخر الطرد دا عن طريق التناوم طول الليل. بس خبِّيت عنه مشاعر التشاؤم دي، اللي سيطرت ع "الحر الفقير". فالشقة ما كانت ش تزيد عن أودة واحدة في بير سلِّم و عفشة ماية مُشتركة. و القريب دا عايش بالعافية فيها هو و مراته و خمس عيال، في منطقة التبين" معقل الصناعة بتاعتنا و فخر "الثورة" المجيدة، اللي ح تحط مصر العسكرية على راس الدول الحديدية في العالم.
ما كمِّلِتش "عطيات" دخول. اتكسكِست بضهرها رجْعت، بس سابت الباب مفتوح و انا ح اكلِّف خاطري أهز طولي و اقوم أقف أروح يمته أرده وراها على إيه؟ خصوصي و الواحد "ع الحميد المجيد".
صفري شمس، لقيت مين انزرعت في قلب الأودة إلاَّ "عطيات"؟ و تبسيمة وردي بترفرف حولين شفتينها، تبسيمة صياد عاد من بحر، لأ موش بحر أكبر بياما من بحر، و إيه؟ كرمه فوق الوصوف.
قعدِت حدفِت لُفافية قدام مني. مدِّت إيديها شقِّت اللفافية بالطول: جزل سمك إي شي مشوي و إي شي مقلي و خُرط لحم إي شي ريش و إي شي "مِوَز" و كباب منغنغ في دهنه و سلطات إي شي طحينة و إي شي خضرا، تقضِّي عشرة.
السؤال سبق دولاب تفكيري. بصيت لقيته نط من بقي ما لحقت ش أحوشه:
ـ مين اين دا كله؟
حدفت وشها بعيد عني. ردت دوغري و بحسم، زي تكون سمكة و بتفلفص تتخلص دُفعة واحدة من سنِّارة شبكت في سقف حلقها:
ـ سارقاه!
و همست:
ـ مد إيدك بقا!
***
دخلت لقيت "سُلُم" قاعد على كنبتنا العريانة لابس بدلتي "رقبة الحمامة" وي راجل عجوز. و الراجل العجــوز دا لابس بالطو كان تقيل ـ أكيد ـ في يوم م الأيام بس قماشه نخل. و البالطو كان ع القميص، من غير زاكتة. وسيادته كان ماسك سيجارة و نازل رضيع فيها. و الاتنين ساكتين.
ربك و الحق استغربت: إزاي "سُلُم" تعدي عليه و يجيب "صيدته" لحد البيت. و بعدين رجعت عقِّلت نفسي: الصيدة دي باين عليها متواضعة لدرجة ما تحتاج ش من "سُلُم" أي تخفي.
قعدت ع السرير من سُكات، فلا انا لقيت أي لازمة أرمي سلام، و لا هم كانو مستنظرينه من أي حد يدخل عليهم.
شوي و الراجل العجوز ميِّل على ودن "سُلُم". اتلفت لقيت "سُلُم" راح متعازم و ساحب واحدة اسكندراني لاكن طوِّلت منه الظاهر. و لما طوِّلت بدت تهدى منها لوحدها، قام هو مقوِّيها. و قعد كل ما تيجي تهدى يقوِّيها، و مع كل تقوية كانت تعلا و تعلا، لحد الراجل العجوز ما حبك البالطو الشاش حولين نفسه و نط زرق م الباب و رزعه وراه.
حب الاستطلاع دفعني أسأل "سُلُم":
ـ مين دا؟
ـ ح يكون مين يعني؟
ـ والدك؟
ـ و قال إيه؟ بيميِّل عليَّ و يقول لي بدام ربنا فتح عليك بالشكل دا ـ و شاور ع البدلة بتاعتك ـ بفضل دعانا لك أنا و أمك، شوف لنا قرشين معاك!
مصمصت شفتيري. قلت:
ـ تعرف يا "سُلُم" أنا أول مرة أخاف عليك ...
ـ تخاف عليَّ ليه؟
ـ لاتسيب ريح و انت نازل تسحبها له اسكندراني على آخر ما معاك..
ـ ما اسيب. ح يجرى إيه؟!
شوي و ضاف:
ـ ما اظن ش "الثورة المجيدة" بتاعتنا لحقت تعمل "مكتب مكافحة التجييص"!
***
رجعت، موش فاكر من اين، ما لقيت ش جريدة "فجر الجياع"، و لا حتى المسامير الحدادي اللي كانت مثبتاها في الحيط.
اللي كانو حاضرين ما بخلوش علي باللي شافوه. و في إطار نفيهم إن "سُلُم" هو اللي حط حد لوجودها، أكتر من واحد منهم هز دقنه و هو بيستنكر:
ـ لا لا لأ! موس "سُلُم"!
سحابة عدَّت ـ أكيد ـ على ملامحي. جاني جواب ع السؤال اللي كنت ح اسأله:
ـ "فاروق قاعود"!
ـ بس "سُلُم" كان موجود؟
ـ ماهو الشاعر راخر ساق حجج ما تخرش الماية.
ـ حجج إيه دي؟
ـ هو نفسه ـ و كلنا عارفين أد إيه إيمانه بـ "الثورة المجيدة" ـ كتب قصيدة عن بِنَيَّة مستنظرة عريس...
ـ و دي فيها إيه؟
ـ عيب العريس دا كان "لافف حولين رقبته شال أحمر"!
ـ يعني إيه؟
ـ "شاااال أحماااار"
ـ آ! فهمت!
ـ راح سيادته أزيد عن 6 اشهر ورا الشمس قصاد //الشال الأحمر// دا، و للساه راجع من هناك.
و من باب الأبوة و المعزَّة سيادته قام ـ بسلامته ـ قالع المسامير الأربعة اللي كانو رافعين "فجر الجياع"، و في وسطها غنيوة "محمد رشدي" المشهورة منقوشة بخط فارسي طاير:
ريِّسنا ملاح و معدينا,,,إلخ
بعد قلبها لـ:
ريِّسنا سفَّاح و معرِّينا...إلخ
و ما تعرف ش "فاروق قاعود" شاعر مجلة "روزا اليوسف" المُعتمد، و بالتالي واحد من أكبر المتيَّمين بـ "الثورة المجيدة" بتاعتنا و المروِّجين لأهدافها السامية. بالغ في خوفه عليَّ و زوِّد في حنيِّته علينا، إحنا سُكان و روَّاد 12 ش خيرت، فقعد كل يوم يصطاد حادثة من هنا و لاَّ "حدُّوثة" من هناك لاجل يدعَّم منطقه بضرورة وضع حد لوجود "فجر الجياع". فالمُشكلة بالنسبة له، موش في النظام. فالنظام ثوري و لله الحمد أناء الليل و أطراف النهار. و دي حقيقة ما بيشكك ش فيها غير الاستعمار و أذنابه. لاكن المُشكلة كل المُشكلة في الطقم اللي محاوط "الزعيم الملهوم" قايد أكبر و أهم ثورة في سلسلة ثورات التحرر الوطني في أفريكا و أسيا و أمريكا اللاتينية و أول مصري يحكم مصر و رائد القومية العربية...إلخ
مرة يحكي عن الشاعر الأولاني لـ "الثورة المجيدة" و أكبر رسامينها، اللي ليه و ليه رسم "ابن البلد" ـ المصري أفندي ـ و هو بيهدي "وردة" لسيادة المشير في "عيد الجيش"، اللي كان معروف باسم "عيد النصر" نتيجة للانتصارات المهولة بر و بحر و جو بتاع جيشنا المجيد. و إزاي سيادة المشير بعت له اللي نزِّلوه م الدور السابع ودُّوه ورا الشمس طوَّالي في نفس يوم صدور جريدة "الأهرام" بالكاريكاتير اللي وقف زي اللقمة في زور سيادته. مع إن الكاريكاتير دا بالذات عدَّى على مواطنين كتير، و خصوصي اللي ما كانوش منهم على اطلاع وافي بكل مواهب المُطربة "وردة الجزائرية"!
و مرة يحكي عن الرسام "بهجت" اللي رسم "ابن البلد" و هو واقف حافي قدام بوهيجي قاعد ورا سندوق بوية "شيك". و "إبن البلد" بيمد لـ البوهيجي دا رجْل بصوابع مروحية، تأكيد لتأصُّل "جينات" الحفائية في شجرة العيلة، قام البوهيجي مادد إيده مركِّب له حدوة! و إزاي "حبايبنا" اعتقلوه ـ و دوغري إيه ح يأخَّرهم ـ ودُّوه مطرح ما بيودُّو كل اللي زيه!
ما عداش تلات –ت-اربع –ت ايام و دخلت الأودة و تحت باطي فرخ ورق ابيض ملفوف على هيئة اسطوانة. و قعدت أمخمخ: إزاي ترجَّع يا واد "فجر الجياع" بس الأولياء "غفر مصر" يقفو في ضهرك و الشاعر "الثوري" "فاروق قاعود" عينه ما تصطادها ش؟
***
"سُلُم" دخل وقف في وسط الأودة. بص لورا و قال:
ـ أدخل يا جميل!
بكدا "سُلُم" كان مد فرش سجادة حمرا، قدمين خطَّو عليها تحت ضي دُحكة صاحبتها حاولت معاها تكون نسوية على أد ما قدرت. دخلت واحدة ست مقددة و مدندشة: عقود و أساور و خواتم. اتطلَّعت حولين منها. احتفظت برأيها في العفش بتاعنا لنفسها. و دا كان منطقي خالص. فبدام رضْيت تخطِّي عتبة بيت بالشكل دا، فموش معقول تنتظر تلاقي عفش جوا من "بونتر مورلي".
"سُلُم" شاور لها على "غرفة العمليات". اتجهت دخلت لا اترددت و لا حتى سمِّت. و الظاهر "سُلُم" كان مرسِّيها ع البير و غطاه.
"سُلُم" بص لي. ديَّرت و شي بعيد.
بص يم "درش". "درش" هقهق. استنجد بي من سُكات. كافحت في دفاعي عن نفسي:
ـ دا قدر يا "درش" يا خوي و لازم ترضى بالقدر حلوه و مره!
"سُلُم" تنه واقف. فتح إيديه استعجال. فالمسائل كل المسائل بالنسبة للفقرا اللي زينا عبارة عن "أكل عيش".
"درش" اتطلع يمين. اتطلَّع شمال. مالقاش مُنجد و لا حتى م العالم السفلي.
طلع من "غرفة العمليات" بعون واحد أحد. دخل في "سُلُم" شمال، بس حرَّص صوته ما يعلا ش منه قام فرَّغ على فحيح:
ـ دي كانت بنت بنوت!
طقَّت في دماغي فكرة. قلت:
ـ الظاهر كانت مصممة تفوز بجايزة "نوبل" في العفة!
"سُلُم" حط سيف كفه على شفته الفوقانية. قال بسعادة بمبي:
ـ دا من فضل ربنا!
استفهمت:
ـ هو إيه دا؟
ـ لما "البريود" تقطعها!
استعجبت:
ـ هو انت كنت عايز الـ "إكس" تتنها تجيي لها حتى بعد الخمسة و اربعين؟
صمْت زي صمت الجنايز حط.
بصيت لقيت سي "سُلُم" هز دماغه مرتين. و بيرمي دماغه تاني يمتي. ردِّيت ما ونِّيت:
ـ بعدك!
و أكِّدت:
ـ موش قبل ك!
سي "سُلُم" ما لقاش بد. قام وقف.
أما أنا فكنت الأخراني. وقفت في وسط الأودة عريان بلبوص: مافي ش عندي أي حجة تسترني!
و أنا طالع من "غرفة العمليات". قبضت على كوعينها زقيتها طلَّعتها قدامي.
سيادتها قعدت شوي ع الكنبة. اتنقلت في ريحي ع السرير. ميِّلت على ودني. استفهمت:
ـ هو انت بتاكل حديد!
بطبيعة الحال السؤال دا، كان ممكن أوي يكون في ديك الوقت وسام على سدري لولا عصافير بطني اللي كانت بتصوصو من يومين كل يوم 24ساعة!
"درش" حط بقه في ودني. فح:
ـ ما تقول ها الزاد ما جرح ش زورنا من يومين و دا التالت!
ـ وانت ما لك ش لسان!
ـ بس هي بتعزِّك.
ـ إصبُر، جايز تيجي منها هي!
لما التلميح ما نفع ش معاها، ما لقيناش قدامنا غير التصريح. و الظاهر كانت لقطت من بدري بس طنِّشت لحد التصريح ما اتفجَّر زي الشمس في الضحا العالي. و هنا دسِّت إيدها في "سوتيانها" و صنِّت و عضِّت صباعها اللحاس. و قالت:
ـ يووه! نسيت "البوك" بتاعي!
و لمِّت بعضها و فتحت الباب لنفسها. و نزلت.
مين يقف بيننا مبلول غير سي "سُلُم". شاورت بإيديَّ الاتنين لاجل اهدِّي "درش". قام سي "سُلُم" فاتح إيديه يدافع عن نفسه بحرارة واحد بيمثِّل إنه بجح:
ـ هو انا مغسِّل و ضامن جنةّ!
هزيت دماغي بحكمة حكيم موش قادر يصْلب طوله:
ـ الظاهر عمر التفريط ما يحقق أماني!
و ليلتها حسِّيت، جايز لأوِّل مرة في حياتي بطعم الحنضل بيسري في دمي و عضمي و نسغي. فمن يومي عايش سيِّد، إلاَّ في اليوم دا. لما وافقت أمشي ورا زمايلي الجوز "سُلُم" و "درش": أمتهن بدني!
بس رسيت، قبل الفجر ما يشأشأ و انا قاعد لوحدي زي عوايدي مني للشباك، إن المرأة، اللي كنت باشوف فيها تمللي إلاهة لفَّاها هالة ضي كل ما اطلَّع لها عبارة عن كائن مسكين زيها زي الراجل سوا. ولو عصرتها جامد في حُضنك و انت شغَّال، بتجيَّص. و في اللحظة دي بس تنكسف موت و تداري وشها تحت باطها. فاحنا البشر ضُعاف، ضُعاف فوق ما تتصوُّرو: لا نستحمل لا عفَّة و لا جوع!
***
طلع ع الشغل, و مافي ش و اكتشفته مكفي من طوله ع الحوض، مطهوم بيغسل في بنطلونه من إيه؟ موش عارف. ساعة ما شافني دحك بكآبة. قال:
ـ تعا شوف "البروليتاريا" بتاعتكو عملت فيَّ إيه؟
استفهمت:
ـ عملت فيك إيه يا "درش"؟
ساب سؤالي متعلق في الهوا. و بدا يندب:
ـ أنا جيت من بلد "الغريب" راجل أقوم أرجع لهم ... لامؤاخذة...!
وقفْت حيران، موش فاهم حاجة. سألت:
ـ انت موش طلعت ع الشغل النهار دا الصبح زي ما بتطلع كل يوم؟
ـ ع المترو لغاية "حلوان" و من "حلوان" ح أفعَّص لغاية ما اوصل "التبِّين"، مقر الشركة بتاعتنا...
ـ بتاعتنا، بتاعتهم واحد!
ـ و زي ما بيحصل كل يوم، السواق داس من هنا و البروليتاريا لزَّت في اخوك من هنا!
ـ موش جايز دا بيتهيأ لك بس م الزحمة؟
ـ بيتهيَّأ لي! ـ آه لو كنت اسكندراني!
ـ الزحمة بتجيب تهيَُّؤات...
ـ تهيُّؤات! طيِّب إيه رأيك النهاردا التهيؤات دي زادت حبيتين.
ـ إزاي؟
ـ نزِّل السوستة...
ـ مين دا؟
ـ بتسألني أنا: مين دا؟ و هو انا لو عرفته كنت سيبته إلاّ مخصي!
شيلت قبضتي دكِّتها في الهوا مرتين. "درش" إتحسَّر:
ـ رجعت جنب السواق، و لاَّ أروح الشغل متظروط!
ـ دي ضريبة الشغل...
و كمِّلت:
ـ و بيني و بينك: الحوض بتاع سيادتك عريض شوية عن المفروض في حوض رجالي، يعني يخيل على أي حد تيجي وقفته وراك لا يكون...يعني ... نسوي... و خصوصي ـ البعيد ـ لما يكون "مكبوت". و بعدين ما تنساش فيه حكمة إلاهي /تعلو على الألباب/: الحتة دي مقنبرة و طرية عند الجنسين بنفس الدرجة بالتقريب.
سي "درش" هز دماغه بتأني الاستيعاب. قال:
ـ يستحيل أحوِّل وشي تاني يم "التبين" دي!
ـ و لا حتى لاجل تلبد عند قريبك كل ما تزنَّق علينا؟
مط رقبته. نقر الهوا بمنخيره:
ـ إنعل ديك أمه!
زرِّيت جفوني. خمِّنت اللي حصل، و سبق لي التنبُّؤ به قبل ما يحصل. قلت لنفسي:
ـ أكيد نكش و لاَّ اتنحنح و لاَّ شِرق و جايز الزغطة تكون مسكته في أودة القريب السويسي دا بالليل و في وقت موش مناسب.
سي "درش" حاول يستكشف اللي خمِّنته في عينيّّ بتوجُّس بنفسجي. بعدت عيني عن مرمى عينيه. استفهمت لاجل بس أدوِّك ع الموضوع:
ـ يعني ح ترفد نفسك!
ـ لا هم ح يغلبو من غيري و لا انا ح اغلب من غيرهم!
***
سي "درش" دخل الأودة على وش الفجر لقا راكية مصهللة، و الحاضرين مادين طراطيف صوابعهم يطيَّرو منها برد "طوبة". وقف حقق في اللهاليب زي ما يكون بيستهجاها. و فجأة طب من طوله واقع و انفجر:
ـ آه يا با! آه يا با!
و نزل يتمرَّغ في بحراية الأودة و هو بيولول:
ـ يا حبيبي يا قبقابي!
و ضاف بنفس الحُرقة:
ـ دا كل اللي ورثته عن المرحوم أبوي، و الظاهر كان كل اللي ورثه هو راخر عن ابوه!

كل اللي قاعدين انسحبو لبْدو في جلودهم، إلاَّ صاحب العملة اللي اقترح و نفِّذ اقتراحه حمري جمري، اللي هو مين؟
انحدفت عليه:
ـ يا "درش" يا أخوي، أرجو سيادتك...
بصيت لقيت سي "درش" قطع ولولته لاجل يشكرني:
ـ ممنون أوي لتفخيمك لي بـ "سيادتك" دي!
و على طول استأنف اللي كان فيه. و الحر الفقير كمِّل:
ـ "سيادتك" لازم تقَّدر إن إحنا دا الوقت في أول عشر-ت-ايام في شهر طوبة المُبارك، اللي هم /برد العجوزة/، و الهوا داخل مسامير في العضم من شيش الشبابيك، اللي كانت قالعة قزازها من زمان، و لاَّ ح تعمل لي فيها دكر و تقول لي ما انت ش حاسس بالبرد الكافر دا؟؟؟
و لما لقيت سي "درش" ما سال ش فيَّ و مزوِّد في "الفيلم" بتاعه وقفت شوي أفكَّر في مدخل أنقح. و فعل ن ربنا فتح عليَّ أقول:
ـ أرجو يا سي "درش" تقدَّر إن الصوت ذبذبة و كل ما تسرَّخ بالشكل دا بتعمل لخلخة في البيت المماليكي بتاعنا، الأمر اللي ح يخليه يسجد فوق جتتنا، و دا طبع ن بيشكِّل خسارة لنا في شبابنا. بس في نفس الوقت فيه "إنقاذ" لنا دُفعة واحدة. فـ ح يريحنا من جوعنا و عرينا و بؤسنا. بس إوعا تنسى إن وقوع البيت اللي كان مهيب في يوم م الايام دا ح يدفن الفردة التانية من قبقاب سيادتك، اللي للساها معدودة بين "الطيبين اللي هم "الأحياء"!
و باتلفت لقيت فراشة شفافة معديِّة، رحت مصطادها دوغري. قلت:
ـ تعرف تقول لي إيه الل وقَّع كتف "أبو الهول"، غير الذبذبة بتاع برنامج الصوت...
و صنيت شوي متردد أقولها بصفتها متصلة بالموضوع و لاَّ ما اقولهاش. و بعدين حدفتها:
ـ و الضي!
سكت سُكات يائس. بس رجعْت واصلت كفاحي في سبيل تبديد و لاَّ حتى تخفيف آلام صديق بيننا و بين بعض "عيش و بيرة":
ـ أنا رأيي، إن اللي حصل لقبقاب سيادتك دا ما كان ش مفروض يحصل بالمرة في أي شهر من شهور الشتا. و مافي ش فيه رد عليه أقل م الانتحار. دا لو القبقاب دا كان غالي بجد عليك. و بحر النيل بيننا و بينه مافي ش غير فركة كعب يادوب. و دي أحسن طريقة للانتحار. فالغريق ـ في رواية ـ شهيد. بس ما تروح ش لحد هناك و ألقاك راجع لي تقول لي: لقيت الماية في النيل ساقعة!
واضح إن دا كان آخر الأسرار اللي قبقاب سي "درش" كشف عنه. و في نفس الوقت كان آخر خيط رابط سي "درش" بعالم "الطيبين"!
***
لما القطة اللي جت ورانا من حارة ديَّقة بتصُب في ميدان "الباشا" في حي "المنيل" لحد ش "خيرت" بالسيِّدة هنا انخفت. قلت في عقل بالي: تكون ش طهقت م عيشتنا الضنك دي قامت رجعت "المنيل"؟ و لما لقيتها مدبوحة و جثمانها المشمشي مرمي في ريح مدرسة "السنية" قلبي انقبض. خدت الجثمان، فحت في أقرب جنينة دفنته.
و في الأودة علنت الخبر قدام "سُلُم" و "درش". إتلفت لقيت "سُلُم" هز كتافه. أما "درش" فالرعشة مسكت جتته و قال:
ـ مين بس المجرم اللي قلبه يطاوعه يعمل عملة دنيئة بالشكل دا؟
حطيت بقي في ودنه. هز لي راسه بحماس و قال:
ـ طبع ن.
و لما عترت في قطة تانية مدبوحة نفس الدبحة و الجثمان مرمي قرب قهوة "المالية" اللي بتطل على تمثال "لاظوغلي" ما قدرت ش أحقق في المنظر. غمَّضت و شيلت الجثمان في شنطة بلاستيك و نبشت و دفنت.
في طريقي لـ 12 ش "خيرت" قابلت قرداتي طاوي قرده تحت باطه و طالع يمد زي ما يكون حد قاطره. و كل شويَّ يتلفت وراه. و هنا افتكرت قرار الصاغ ريس الوزرا "زكريا محيي الدين" بترحيل القرداتية، ضمن فيات تانية زيهم من "مصر" لبلادهم.
قُرب بيت "اسماعين باشا المفتِّش" صادفت تالت قطة خلال نفس الأسبوع.
و في اليوم دا ما تعرف ش إيه اللي خلاني أحوِّد أقعد وي عم "جاد الشندويلي" مكوجي الطرابيش اللي كان للساع فاتح في الدور الأولاني في 12 ش "خيرت" مع إن الناس كل الناس كانو قلعو الطرابيش، بس هو كان مآمن إن الناس دي كلها تم ن ح ييجي عليها يوم تندم. حكيت اللي خزَّق عيني طول الأسبوع المشوم. هز دماغه بتأني غامق. شرح لي إن اللي يقطع رقبة قطة بالشكل دا في طول و عرض مصر هو بس مُدرِّب القرود اللي هو القرَّاد. شدقي وقع مني. استفهمت:
ـ ليه؟
ـ أمال يطوَّع القرد لأوامره إزاي، يقول له: إعمل عجين الفلاحة، دوغري يعجن. يقول له: نام نومة العازب: فوري ينام. بوس إيد سيدك. يبوس. ليه؟ اتعظ م القطة اللي رقبتها طارت لما أمرها نفس الأوامر و ما نفِّذت ش.
ـ و دا بقا اسمه /القرَّاد/؟
ـ و في الغالب المهنة دي بيورثوها أب ن عن جد.
و حط وشه في الأرض قدام منه و قال:
ـ مهنة زي دي الواحد لازم يورثها ع شان يمتهنها...
و كمِّل شرح:
ـ و في الغالب ما بتمتهن هاش إلاَّ سلالة خسيسة...
استفهمت:
ـ بوسطجية؟
ـ أقل...
و شرح:
ـ طوَّاف بحمار، شيَّال بشوال...مممممححححح بـ "حمار-سكة"....
و أكِّد:
ـ حاكم يستحيل تكون سُلالة راقية اللي تعمل كدا في القطط!

على وش فجر، يعني الفجر ما كان ش للساع شأشأ. انزرعت في عرقوب و قول جخنوق في بير السِّلم في 12 ش "خيرت" فوق دماغ "درش" و قطة و نسناس و سكينة و شمعة. سي "درش" اتنبِّه. السكينة وقعت من إيده و القطة هربت بحبلها في رقبتها. الحبل اللي كان رابطها في حجر بارز و النسناس زام. . سي "درش"، اللي كان كشف عن موهبة جديدة و غريبة قام وقف. عمودين نار بيطقطقو شرار صلبو قصاد بعض. بس لاكلمة و لا حدوتة. فالكلام بيكشف و كل شيئ صبح مكشوف. و الحواديت بتوصف و كل شيئ قلع حوجته لكل الوصوف. فتح بقه قال:
ـ الضرورات بتبيح...
قاطعته بوحاشة من بين اسناني:
ـ قول البتاعة دي تاني....
و كمِّلت بنفس الوحاشة و جايز أوحش:
ـ نفسي اسمعها منك تاني...
رقبته وقعت على سدره زي تمرة جميز، الطيبان فاجئها وقت هبوب ريح. و عينيه نزلت اربعة باربعة. أما صاحب النسناس، اللي كان خاضع للتدريب على إيدين "درش" فعوج دقنه يمتي و صلب على كدا.
(7)
إزاي صاحبنا "سُلُم" قدر يستغل "دبلوماسية" أستاذنا "يحيي حقي"، اللي بقت مشهورة عنه و لو ان ما منهاش لا فايدة و لا عايدة، إلاَّ بس في شعللة خيال أي شاب زي د. جمال بصفته كاتب قصة قُصيَّرة واعد؟
في الأوَّل صاحبنا "سُلُم" ورَّى د. جمال مجموعة أعمال الأستاذ: "قنديل أم هاشم" و "البوسطجي" و " خليها على اللاه" و "صحي النوم"...إلخ و رسم صورة بألوان شفتشي لأستاذ الكل "يحيي حقي".
و في يوم خد لكو د. جمال تحت باطه قدِّم استمارة باسم سيادته ع الثانوية العامة و بعدين راحو على مجلة "المجلة" اللي الأستاذ كان بيرأس تحريرها، في مقرها المعروف للأدباء و المشتاقين فوق مكتبة "دار المعارف" في شارع "عدلي". و في اللحظة اللي الأستاذ دخل فيها زي عوايده م الباب، "سُلُم" اتنتر ببدلتي "رقبة الحمامة" واقف، و في ديله مين؟ "سُلُم" مد إيده. و بطبيعة الحال واحد دبلوماسي زي الأستاذ، موش ح يرفض ياخد إيد "سُلُم". و خلال السلام اللي "سُلُم" عمل منه سلام حار، صاحبنا "سُلُم" شاور على د. جمال اللي كان واقف في اللحظة دي زي أي بنت بنوت. و قال:
ـ د. جمال كاتب قصة واعد.
و هنا الأستاذ ما لقاش غير يبسِّم بالدحك. و دا كان أكتر م اللازم. بس سيادته بالغ فقال:
ـ تشرفنا.
***
فيه اتفاق عمومي إن أستاذنا "يحيى حقي" كان واحد من أجدع و أبرع ريسا-ت- التحرير في العهد الناصري. لما مسك مجلة "المجلة" في أواسط الستينات مكتبه كان موش مفتوح، لأ. ما كان ش له باب م الأصل. يادوب مفصلتين مصديين في سدغ الباب كانو يقعدو يحاورو أي واحد قاعد في الكنبة اللي كانت مكسية قطيفة حمرا و نحلت، إيل ما القاعد قاعد يستنظر.
قمر بسَّام هل. و سيادته ـ ربنا يغفر له ـ ما كان ش لا طويل و لا قُصيَّر. كان زي ما تقول تلتين بس كتلة دهن: ابيضاني و ملظلظ. لقانا قاعدين ماليين الكنبة اللي كانت محطوطة في موقع استراتيجي: في وش أي ريِّس خبط-لزق. سيادته صن ما يزيدش عن خمس ثواني في فجوة الباب. و قبل ما يتدحلب يقعد في الكرسي بتاعه في مكتبه. بص لي و قال:
ـ القصة بتاعتك ممتازة... أما رسمك للشخصيات... أما نسجك في الكلمات... بسم اللاه ما شاء اللاه. و من غير مقاطعة ح تاخد دورها في النشر في أقرب وقت.
أعمل إيه؟ غير أقوم أقف ألملم امتناني و أحيي و اطلع م المكتب.
و انا بالم في مشاعري الملفوفة في خجل ريفي. لقيت "سيادته" اتنقل للي كان قاعد على يميني. و بدا:
ـ فكرني كدا بإسم القصة بتاعتك!
و في اللحظة دي سيادته رمش يمتي لقاني للساع بانقل خطوة في خطوة و انا رامي ودن و ربع عين، للتقييمات بتاع "سيادته"، قام وطى صوته لغاية ما بقا وشوشة خصوصي. اتكسفت من نفسي. شاورت للعامل بتاع الأسانسير.
وقفت تحت. ليه ما اعرفش.
لما اللي كان قاعد على يميني نزل وراي. حب الاستطلاع دفعني. سألت:
ـ قال لك إيه؟
رد اللي طلع بعدين "سلامة رضوان" ساقط تالتة ثانوي و بيستعد يقدِّم السنة دي من منازلهم:
ـ نفس اللي قال هو لك!
اتلفت للي فهمت لما اتعرَّفت عليه إنه "مصطفى البرقي" استفهمت:
ـ و انت؟
ـ أنا إيه؟
ـ قال لك..؟
ـ قال لي: ممتازة مافي ش بعد كدا و لا قبل كدا امتياز، و ح تتنشر في اقرب فرصة!
ـ هو انت كنت متقدم بقصيدة و لاَّ قصة؟
ـ و لا قصيدة و لا قصة!
ـ إزاي دا؟
ـ أنا صاحب...
و شاور على "سلامة رضوان". و كمِّل:
ـ يادوب!
و ضاف:
ـ و من يومي لا باكتب أدب و لا باقرا أدب و لا ليَّ أي صلة ... أصل بتوع الأدب دول ناس في الروقان يا با!
ـ و سيبته يمدح كدا في الهوا؟
ـ راجل كبير، ح أكدبه؟ يقوم يعند وماينشر شي قصة صاحبي.
و شاور مرة تانية على "سلامة رضوان".
دحكنا إحنا التلاتة لحد ما شرقنا. موش بس كدا. رسينا إحنا التلاتة إن الحياة-الدنيا متدخرة لنا ينابيع أغوط م الدحك و المرح و المتع، رغم كل شيء، بس نضم على بعض. و خلال ما كنا غرقانين في بحور الدحك لقيت اللي بتتمسح في ديل البنطلون بتاعي. بصِّيت لتحت اتبسِّمت: قطة.
حدايق القبة
أبريل/برمودة 2009







السبت، 18 أبريل، 2009

خميس دايم-الحُسن

خميس دايم-الحسن
قصة للأطفال
كان يا ما كان
كان فيه جدع وسيم مشلْبن و دايم ن متبسِّم سوا فرحان ولاَّ حزنان، سوا شبعان سوا جعان اسمه "خميس". و كان كل ما يتبسِّم وشه يتدوَّر و ينوَّر، لحد الناس ما سمُّوه "خميس دايم-الحسن". الجدع دا كان غزِّيل و نسِّيج. لحظة ما الفجر يشأشأ و أوِّل شعاع زغنون ما يلمس قورته، يقوم منتور م النوم. يطلَّع في شرانق الحرير القز. يفرَّشها شرنقة في ريح شرنقة. و يرجع يطلَّع جزز الصوف يرصهم جزَّة جنب جزَّة.
الشمس تكبر. تقدح في العلالي. تدفِّي شرانق الحرير و تفكك جزز الصوف، يقوم صاحبنا "خميس دايم الحسن" ساحب خيوط الحرير القز بشويش علا بكر َصَدف. و يغزل الصوف بمغزل عاج. و بعدين يستِّف الغزل حراير و اصواف، شوي علا يمينه و شويتين علا شماله.
ساعات كان يطلع م الخص يلاقي "زعبوبة" نحكشت له الغزل. يقوم يعمل إيه؟
يقف مطرحه. يربَّع إيديه علا سدره. يقول لها و تبسيمته مالية ملامحه:
ـ عيب يا شقية ما تنحكشي ش اللي تعبت فيه إيديّ.
"زعبوبة" كانت تقف تحارنه شوي، تتحنجل شويتين. و بعدين تمشي. و قبل ما تمشي كانت تقول له:
ـ على فكرة "التاسوع" بيصبَّحو عليك.
الشمس تونن. تغمَّض عينيها. تنام في الغرب. "خميس دايم- الحسن" يقيد لكو فانوس زغنون. ينزل يركب لكو النول. ينسج إي شي جلاليب عجب و إي شي فساتين و شيلان عز الطلب.
وصل لكو الخبر سراية جلالة السلطان. قام جلالة السلطان راكب حصانه و واخد وياه الحرس، و راح يشوف إيه حكاية الجدع دا.
جلالة السلطان وصل لقا لكو "خميس دايم-الحسن" نازل يغزل بمغزله. جلالة السلطان بص لصوابع "خميس دايم-الحسن". حقق جامد قام اندهش. همس بينه و بين نفسه:
ـ أما دي صوابع لكين تغلا عن الدهب.
جلالة السلطان صن؟ ما صن ش. زغر دوغري قوام للحرس. قام الحرس فِهِم. و جلالة السلطان اندار بالحصان بتاعه رجع.
***
الحرس خدو "خميس دايم-الحسن" ـ عِدِل ـ ع السراية بتاع جلالة السلطان. في المدة دي جلالة السلطان كان أمر الخدم و الحشم يبنو لـ "الجدع" دا خص بوص ريح السور بتاع السراية. و يحطو له شرانق الحرير كيمان و جزز الصوف هرامات.
الشمس قعدت تلمس قورة "خميس دايم-الحسن" الصبح بدري كل يوم، و هو يقوم م النوم ينزل غزيل طول النهار. و لما الشمس تغمَّض عينيها و تنام بالليل يقعد ينسج من كل صنف و لون: جلاليب، فساتين، قمصان، سداري، عبي، شيلان، تلافيح، و مين يشيل من وراه؟ عليكو نور. جلالة السلطان.
جلالة السلطان فضل يحمِّل من ورا "خميس دايم-الحسن" و يوزَّع في الاسواق جوا و يبيع و يكسب. و يرجع يوْسق غلايين و يشْحن سفاين و يدرز مراكب و يبعت لبلاد برا و يتاجر و يربح.
فوت كو في الكلام: جلالة السلطان دا كان بخيل، كونه يسأل في "خميس دايم-الحسن" كل و لاّ ما كل ش، شرب و لاّ ما شرب ش، انكسا و لاّ ما انكساش، جلالة السلطان ما يسأل ش.
***
و في يوم م الأيام "خميس دايم-الحسن" شال عينيه يم جلالة السلطان و تبسيمته، هي هياها، مالية وشه. وقال:
ـ اسقيني يا جلالة السلطان.
جلالة السلطان وشه غيِّم. زر عينيه. رد:
ـ بكرا.
"خميس دايم-الحسن" رجع قال:
ـ طيب قوِّتني يا جلالة السلطان.
جلالة السلطان مد دقنه قدام منه. صن. رد:
ـ بعد بكرا.
"خميس دايم-الحسن" سكت شوي و بعدين قال:
ـ طيب اكسيني يا جلالة السلطان.
جلالة السلطان رفع حواجبه. شرنق برنق.رد:
ـ بعد بعد بكرا.
بكرا طب و عدَّا. و بعد بكرا جا وراه و فات. و بعد بعد بكرا وصل و ما طوِّل ش. و جلالة السلطان نازل طالع على اولة يحط لـ "خميس دايم-الحسن" بكرات و يشيل من وراه منسوجات، و يبيع و يكسب و يتاجر و يربح.
"خميس دايم-الحسن" استنا لكو جلالة السلطان و هو جاي يشيل مرة من وراه و قال:
ـ قوِّت ني ـ و لو بتاوة حاف ـ يا جلالة السلطان.
جلالة السلطان رد بغيظ:
ـ ما قلت لك بكرا.
"خميس دايم- الحسن" رجع قال:
ـ طيب اسقيني ـ و لو بق ماية ـ يا جلالة السلطان.
جلالة السلطان رد بشخط:
ـ ما قلت لك مرة بعد بكرا.
"خميس دايم-الحسن" رجع قال:
ـ طيب اكسي ني ـ و لو خيش ـ يا جلالة السلطان.
***
و في ليلة م الليالي و "خميس دايم-الحسن" قاعد بينسج ع النول، رفع راسه لفوق لقا الباب بتاع الخص عمَّال ينهز جامد. راح لكو "خميس دايم-الحسن" قايم من ع النول، لقا "زعبوبة" عمالة تتخانق وي الباب: هي عايزة تفوت تدخل و هو ما هوش راضي يخليها تعدِّي منه. "زعبوبة" لمحت "خميس دايم-الحسن" قامت عافرت لحد ما دفست راسها بين الباب و السجاف و قالت:
ـ عاش من شافك يا سي "خميس ونن-نوفر".
"خميس دايم-الحسن" اتبسِّم زي عوايده، قام وشه اتدوَّر و نوَّر. قال:
ـ لكي غيبة يا "زعبيبة" يا بنت عمنا "سيت" ملك الزعابيب.
"زعبوبة" انشكحت لما لقت "خميس" للساه فاكرها. دحكت لفت حولين نفسها. قالت:
ـ ع بال ما سألت و طقَّست لحد ما وصلت للعنوان بتاعك الجديد دا.
"خميس دايم-الحسن" قال:
ـ يا ألف مرحب بِك.
"زعبوبة" همست:
ـ على فكرة التاسوع موصييني عليك، و لولا توصييتهم دي كنت قلعت لك الباب النشفان بتاعك دا.
"خميس دايم-الحسن" رد:
ـ السلام أمانة للتسع ملوك الكبار بتوعنا يا "زعبيبة"!
"زعبوبة" هزت دماغها هزتين. قالت:
ـ يوصل يا "ونن-نوفر".
و كمِّلت قالت:
ـ تسمح لي أدخل لاحسن الدنيا ساقعة برا أوي؟
"خميس دايم-الحسن" استسمح الباب. قال:
ـ ما عليه ش يا باب يا ابو البيبان، يا حافض عهود الأمان، خلِّي "زعبوبة" تفوت تدخل بطمان.
الباب سمع اتوارب. ."زعبوبة" فاتت دخلت، و هي بتتحنجل، قام "خميس دايم–الحسن" قايل لها:
ـ بس إهدي بقا ما تنحكشي لي ش غزلي و نسجي.
"زعبوبة" قعدت. دفيت. شوي و اتطلعت يم "خميس دايم-الحسن"، قامت لقيته قاعد نشفان و ضمران و فوق كدا سهْيان.
"زعبوبة" هزهزت دماغها شوي. سألت:
ـ مالك يا سي "خميس"؟
"خميس –دايم-الحسن" قال:
ـ مافي ش.
"زعبوبة" شبِّت وقفت. حطت عينيها ع الغزل و النسج بتاع "خميس دايم-الحسن" و صنِّت. "خميس دايم –الحسن" لحق هدَّاها بقمع صوابعه. و حكا لها الحكاية من طقطق لفتناكو بعافية.
"زعبوبة" هزت دماغها هزتين. و بعدين قالت:
ـ و لا يهم ك. أنا اعدي ع الجناين اللي طارحة فواكه من كل صنف و لون، و بعدين آجي أحط علا ضهر إيدك.
"خميس دايم-الحسن" فرح قال:
ـ و كل ما أجوع أشم ضهر إيدي.
"زعبوبة" كمِّلت:
ـ و انا جاية ح اخلي بنتي الزغيَّورة "نسمة" تجيب وياها شبُّورة لحد سجاف الشباك بتاعك.
"خميس دايم-الحسن" زقطط. قال:
ـ و كل ما اعطش اشرب من ندع الندى بتاع الشبورة.
"زعبوبة" حطِّت صباعها علا شفِّتها التحتانية. قعدت تفكَّر شوي. قالت:
ـ و الكسوة؟ الكسوة؟ ح اقول لبنتي الكبيرة "ريح" تجيب وياها، وهي جاية، ورق الشجر النشفان.
"خميس دايم-الحسن" سقَّف بايديه. قال:
ـ أفصًّل لي منه قميص.
و دا اللي حصل و اللي كان.
"خميس دايم-الحسن" شكر "زعبوبة" و هي خدت بعضها دوغري و انقطت مشيت.
"خميس دايم - الحسن" قعد يغزل و ينسج يوماتي ليلاتي و كل ما يجوع يشم ضهر إيده. و كل ما يعطش يشرب من ندع الندى اللي بتتجمَّع على سجاف الشباك. و خلاص ما بقاش عريان بعد ما فصَّل لنفسه قميص لاكن جنان من ورق الشجر النشفان.
***
جلالة السلطان فضل يحط شرانق الحرير و جزز الصوف قدام "خميس دايم – الحسن" و يشيل من وراه المنسوج أشكال و الوان. و تنه رايح جاي ينط زي فرقع لوز، كون "خميس دايم-الحسن" يطلب منه طلب ما يطلب ش، كونه يسأله سؤال ما يسأل هوش، قام جلالة السلطان استغرب بينه و بين نفسه و الوسواس ركبه. نسيت أقول لكو إن جلالة السلطان دا كان ظنَّان، و ظنه دايم ن سَوْ. راح لـ "خميس دايم-الحسن" سأله:
ـ بطَّلت ليه يا جدع انت تطلب مني أقوِّت ك و أسقي ك و أكسي ك، تعرف تقول لي؟
"خميس دايم-الحسن" مسك طوق القميص اللي لابسه، و كان مفصَّله من إيه؟ عليكو نور.
جلالة السلطان حط إيده في خصرته. قال:
ـ دي و عرفناها. بس بتشرب من اين؟
"خميس دايم-الحسن" رد:
ـ من ندع الندى اللي الشبورة بتجيبها و تسيبها على سجاف الشباك.
جلالة السلطان دحك من منخيره. قال:
ـ هأأو. طيب و بتاكل من اين؟
"خميس دايم-الحسن" رد:
ـ باشم ضهري إيدي أشبع يا جلالة السلطان.
جلالة السلطان اتهانف:
ـ هأأوين يا اسمك إيه. إنت أكيد بتسرق من وراي و تشرب و بتلهف في الدرا و تاكل.
في اللحظة دي "زعبوبة" كانت طبت و سمعت كلام جلالة السلطان، راحت مطيَّرة له التاج من على راسه. "خميس دايم-الحسن" بص لـ "زعبوبة" و هز لها قمع صوابعه، يعني: عيب كدا". "زعبوبة" هدْيت. جلالة السلطان استغرب. رجَّع تاجه علا راسه. اندار على كعبه مشي و هو بيقول لنفسه:
ـ و كمان بيعرف لغوة الريح؟ دا شخص خطير. و تلاقيه متصل بأرواح و شياطين و جاي له مدد من ملوك- عدويين!
***
"خميس دايم-الحسن" قعد زعلان و حزنان، لا عرف يغزل في يومه و لا ينسج في ليلته. كل ما يبرم المغزل بالنهار الخيط يكلكع. و كل ما يحدف المكوك بالليل الخيط ينقطع.
جلالة السلطان جاي يشيل المنسوج من ورا "خميس دايم-الحسن" زي كل يوم ما القاش وراه منسوج. بص جنب "خميس دايم-الحسن" يدوَّر علا مغزول ما لقاش و لا حتَّا مغزول.
جلالة السلطان رفع حواجبه لفوق. زام:
ـ إممم!
هرش قلة دماغه بصباعه لحاس السمنة. خَبَط قورته. زعق:
ـ يعني حرنان ع الشغل و عامل لي إضراب؟
إستنا من "خميس دايم-الحسن" جواب؟ ما استناش. جلالة السلطان خد لكو بعضه و مشي متنرفز.
***
صبح الصباح. "خميس دايم-الحسن" بيشيل بعينيه لقا لكو الحرس نازل يدق في عمود خشب قدام باب الخص بتاعه.
"خميس دايم - الحسن" قام يستفسر إيه الحكاية.
الحرس ما ردش. و ساعة ما خلَّص دق في العمود، عسكري م الحرس بجزمة ميري شخط في "خميس دايم-الحسن":
ـ إطلع يللا اتحاكم.
"خميس دايم-الحسن" استغرب. سأل:
ـ أنا؟
العسكري أبو جزمة ميري برَّق في "خميس دايم –الحسن". زعق:
ـ أيوا إنت.
"خميس دايم –الحسن" سأل:
ـ و انت تبقا مين؟
العسكري أبو جزمة ميري جاوب:
ـ أنا القاضي.
"خميس دايم-الحسن" استفهم مزهول:
ـ قاضي..؟
في اللحظة دي "زعبوبة" كانت وصلت لاجل تطل على "خميس دايم-الحسن"، لقت المشهد دا، راحت مطيَّرة "الكاب" من على راس العسكري أبو جزمة ميري. و قعدت تتحنجل حولين منه. العسكري أبو جزمة ميري وطا لقط "الكاب" من ع الأرض نفَّضه و حطه على راسه. رد قال:
ـ أيوا القاضي بتاع جلالة السلطان.
"زعبوبة" وقفت تسمع من سكات.
"خميس دايم –الحسن" استغرب. سأل:
ـ و انت اللي ح تحاكمني؟
العسكري أبو جزمة ميري زعق:
ـ أمال! لما انت ـ بسلامتك ـ تعمل إضراب.
"خميس دايم-الحسن" إستفهم:
ـ يعني إيه أعمل "إضراب" دي؟
القاضي بتاع جلالة السلطان. وضَّح:
ـ يعني تحْرن ع الشغل و ما ترضاش لا تغْزل و لا تنْسج، يبقا الفلاح ما هوش ح يفلَّح و الصياد ماهوش ح يصطاد، و الحداد ما هو ش ح ينفخ في الكور. يبقا معنا كدا جلالة السلطان ح يجوع و يعطش و ما يلاقي ش هدوم لا صوف و لا حرير، لا شتا و لا صيف. يعني يضيع هو و الحرس و الخدم و الحشم و زيد عليهم القضاي و ع شان كدا حكمنا عليك بالإعدام.
"خميس دايم-الحسن" استغرب:
ـ إعدام سوا؟
القاضي أبو جزمة ميري رد:
ـ أيوا. إكمن ما عندناش عقوبة أشد م الإعدام.
"زعبوبة" سمعت لكو الحكم حطت ديلها في اسنانها. طلعت لفوق في العلالي. و قعدت تطلع لحد ما دخلت ع التاسوع. حكت لهم الحكاية من طقطق لفوتناكو بعافية.
***
التاسوع ما كدِّبوش خبر. إجتمعو فوري نظرو القضية. و دوغري صدر حكمهم بالبراءة. و قالو في منطوق الحكم بتاعهم:
ـ حتَّا و لو كان "خميس دايم-الحسن" كان عمل إضراب، بردو ما يستاهل ش أي حكم بالمرة لا إعدام و لا غير إعدام.، إكمن الإضراب حق من حقوق النسّاج و غير النسَّاج.
التاسوع بصو لكو لقو عندهم حكمين واحد بالبراءة و التاني بالإعدام على نفس الشخص. يعملو إيه؟
"أمون" ملك الملوك استفسر:
ـ تفتكرو يا أسياد مصر الكبار و قضاتها، العسكري أبو جزمة ميري ح ينفِّذ الحكم بالإعدام صحيح في "خميس دايم-الحسن"؟
"بتاح" ملك الحرف رد:
ـ طبع ن ح ينفِّذه و آدي أمارة نصب المشنقة قبل ما ينطقه.
"رع" إتدخَّل:
ـ يبقا لازم ن حتم ن إسياد مصر و قضاتها يتصرَّفو بالعجل قبل الوقت ما يفوت. و لكو عليَّ أعمل لكو كسوف للشمس لمدة دقيقتين بالتمام و الكمال.
"تحوت" ملك الحكمة سأل:
ـ و لما تعمل كسوف للشمس يا سي "رع"...؟
"رع" سكت ما نطق ش.
"أمون" ملك الملوك هز دماغه قال:
ـ فهمت قصدك يا سي "رع".
و واصل كلامه شرح:
ـ قصد سي "رع" واضح زي قرص الشمس. ملك مصري مننا ينزل من سماه في لحظة الكسوف بتشنق ـ كدا و كدا ـ بدل سي "خميس ونن-نوفر".
و سكت لكو "أمون" ملك الملوك شوي و بعدين ضاف:
ـ و ادي حنا خالدين متخلِّدين لا بنموت و لا علينا حق الموت.
"تحوت" ملك الحكمة نط وقف قال لـ "بتاح":
ـ إدي ني حال ن بال ن كسم "خميس ونن-نوفر" و رسمه.
"أمون" ملك الملوك ضاف ع الكلام:
ـ و بعد ما تتشنق ـ كدا و كدا ـ يا "تحوت" تطلع على طول ع شان نعمل اجتماع و نشوف الخطوة الجاية لنا ح تكون إيه؟
و اللي حصل و اللي كان:
سي "رع" ملك الضي عمل كسوف للشمس زي ما وعد. و "زعبوبة" ساقت قدامها سحابة بيضا زي ما تكون ألف جناح و جناح من اجنحة الحمام. و تنتها سايقاها لحد ما نزِّلتها تحت علا وش الأرض. و هب في لحظة الكسوف "خميس دايم-الحسن" نط ركب. و في التو شالت به طوَّالي و علَّت و علَّت في المدى الواسع. و العسكري أبو جزمة ميري افتكر لكو "تحوت" ملك الحكمة هو "خميس دايم-الحسن" و لف حبل المشنقة حولين رقبته.
***
"خميس دايم-الحسن" دخل ع التاسوع صبَّح عليهم لقاهم كانو إدو له الخلود بالإجماع. و قعد في ريحهم رايق و سدره مشروح. واديه نازل غزيل و نسيج في أشعة الشمس، كل النهار ما يشأشأ في المدى، و ادي اسمه على كل لسان في بر مصر ما اتنساش و لا عمره راح يتنسي.
و هي دي الحدوتة، اللي سمعتها من ستي "ستوتة"، اللي استفتحتها بتبسيمة و ختمتها بزغروتة؟

الجمعة، 17 أبريل، 2009

إشارة مرور

إشارة مرور

ما اعرف ش ان كانت جات بجناحين،
طايرة لاكن بصِّيت لقيت اللي حطت
في ريح مني بشبرين،
لو حسبت الصهد اللي جا وياها
يطلعو، بالكتير، اتنين مللي.
يطرح البركة فيك يا دي الأشرجي
اللي حمَّرتها،
و لو انك هدِّيت تنطيط النهدين،
قام فرَّغ على هززان
و اتنهى ـ لأ بقا
ما اتنهاش ـ رعشان،
آه منك يا خلاق يا فنان!

لبلوب زان،
لاكن طايب طيبان،
واخر روقان،
مملوطة الهموم،
عنه و الأحزان،
و أيات التحريم و أحكام الخصيان.
م الدنس و التدنيس متحرر،
م التجريم و شغل العربان،
مخلي،
و بالرقص مليان و مترعم،
بالغنا مشحون،
ح يفيض منه فيضان ع الجنبين،

بعيني أنا شفت لكو - ما حدَّش قال لي
و لا عاد لي- فنجال عمَّال
يلعط واقف قصَدي عريان،
بلبوص تحت حز "البدي" فوق من
أبزيم الحزام ـ ـ راح ينطق بلسان بالعلوان:
المدى قدامك يا موعود،
بحور موجها عالي بس ابيضاني،
لكين الخد مزنهر شيئ ربَّاني،
و سوَّاني،
ينشط عليه ـ يا مغيت! ـ عود الكبريت،
أما الشفتين فتقول ـ سبحانك
يا خرَّاط البناتيت ـ تينتين تنتين.
طيَّرو للكون بسمتها زغب فللي،
قلت انا م الأزل ـ و حياة
سي "أمون" ـ منشال لي،
أدوق طعمهم من بعيد ع الطاير،
قبل العمرـ بساعتين ـ ما يولي،
وْ باتلفت إلاَّ و القا اللي،
كانت بعتت ضلها الدهبي يمتي،
لولا إيد الأشرجي ـ اللاه يجازيه ـ
كان شي تنه شوي كمان حاضن ضلي؟
كارديف
توت/سبتمبر2007

حوار

حوار


يزعم الحر الفقير أنه يملك مشروعاً ثقافياً متكاملاً لنهضة مصر و المنطقة المحيطة التي عوَّدتنا على قبول كل الأسماء، و أي أسماء يُطلقها عليها الأجانب، و على وجه الخصوص الغربيون بدءاً من الشرق الأدنى إلى الشرق الأوسط الكبير و الأكبر و الجديد، مروراً بالعالم العربي ثم العالم الإسلامي. و لقد بدأت ملامح هذا المشروع في التشكل أمام عينيَّ في منطقة الإبداع. فنشرت صفحة يوم الأربعاء التي كان يُشرف عليها الراحل الجليل "عبد الفتاح الجمل" بجريدة "المساء" أول قصة لي في صيف سنة 1964،و كانت بعنوان "كف". و منذ ذلك الحين لم أتوقف عن كتابة القصة القصيرة، بل و نجحت في اختراق حصار الصمت حول أعمالي مراتٍ ليست قليلة، فنشرت قصصي في العديد من الصحف و الدوريات في مصر و المنطقة المحيطة. وأحدث قصة قصيرة لي نشرتها يوم 21يونيو/حزيران صحيفة "القاهرة" التي تتميَّز بمسحة أستطيع أن أقول عنها "ليبرالية" نوعاً ما و لو أن طابعها الرئيسي حكومي 2005 ....كما امتدت الرقعة الجغرافية التي نشرت فيها قصصي من "الكويت شرقاً حتى "الدار البيضاء" غرباً. فلقد نشرت لي نشرت لي مجلة "البيان" الكويتية الشهرية قصة بعنوان "سراب" في العدد 251 فبراير/شباط 1987 و نشرت لي مجلة "الوحدة" المراكشية الشهرية قصة بعنوان "لقاء" يونيو/حزيران 1988وفي سنة 1999نشرت مجموعة قصص قصيرة بعنوان "أمونة تخاوي الجان". و على هذا الأساس فإن القول بأنني ابتعدت عن الإبداع هو قول ظالم.حيث أنني لم أكف عن اللجوء إلى مملكة الإبداع. فالإبداع عندي ضرورة وجدانية ففي رحابه نستطيع أن نقاوم القبح، و ضرورة عقلية ففي ضوئه نتمكَّن من مقاومة الفوضى، بل و ضرورة بيولوجية، ففي ظله نقدر على الحفاظ على وجودنا الإنساني ذاته فلولا الإبداع لكنت قد سقطت ضحية من ضحايا الجنون منذ وقت طويل. و يعرف المقربون مني، أن الإبداع نحا معي نحو ارتداء أنواع أخرى كالمسرحية مثل "عصفور الجنة" التي استمر "المسرح القومي للأطفال" يعرضها لخمس سنوات و الأدق "مواسم، كما طافت محافظات مصر. و وقع اختيار هذا المسرح عليها لتمثيل مصر في المهرجان الدولي لمسرح الأطفال في سنة 1996 كما نحا الإبداع معي إلى أخذ شكل القصيدة التي نشرت نماذج منها في دوريات عديدة في مصر، و نشرت ديواناً باسم "كل شي ن كان" في سنة 1996. و في هذا الصدد أذكر أن مصرع "جون جرنج" رئيس "الحركة الشعبية لتحرير السودان" هزني حتى الأعماق و كان أن كتبت قصيدة طويلة باسم "عدودة لجون جرنج"، نفس الأمر بالنسبة لقصيدة "مرجعيون 2006" التي كتبتها من وحي صمود المقاومة اللبنانية في وجه العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان فهل رأت أي منهما النور حتى هذه اللحظة؟ بطبيعة الحال لا، لم يحدث. أما السؤال عن السبب فجوابه ليس عندي. لكنني نشطت، مع ذلك، في قراءتها للحلقة الضيقة من الشعراء الذين يعانون مثلي من الحصار. أما تقييم هذا المنجز فمتروك لغيري.
· نعم أنت محق عندما تقول أن مجموعة "ضم القمح ليلاً" كانت الطلقة الأولى التي خرجت من قلمي، على مستوى الإبداع ، في إتجاه التأسيس لـ "أدب مصري". فلقد أكملت المرحلة الثانوية في سنة 1960بامتياز مكنني من الحصول على مجانية التفوق في السنة الأولى بـ "جامعة القاهرة" ـ لم يكن النظام العسكري الحاكم قد مد وقتها مجانية التعليم التي قررتها حكومة وفدية منتخبة انتخاباً حراً ديمقراطياً بالمعايير الدولية، كي تشمل التعليم الجامعي إلا عقب انهيار الوحدة المصرية-السورية في سنة 1961ـ و جاء تفوقي بعد أن تجرَّعت النماذج التي قدمها لي التعليم العام للأدب و كانت دون استثناء على وجه التقريب، عسيرة الفهم، ركيكة الصياغة و ممجوجة الطعم، لا تبهج و لا تنور و لا تصنع مع متلقيها ما ينبغي لأي أدب من آداب الأمم التي عرفنا آدابها في أوقات لاحقة أن يصنعه. فلقد درسنا للشاعر "أمرؤ القيس"، على سبيل المثال، و أرغمنا مدرسو اللغة العربية بما كان يُسمى في ذلك الوقت "الزُّخمة" على حفظ الأبيات الأولى من معلقته الشهيرة عن ظهر قلب:
مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معاً
كجلمود صخر حطه السيل من عل...الخ
في حين أن القصيدة نفسها، و لم تكن "المعلقات" تحفل بالوحدة العضوية، تضم أبياتٍ أكثر شاعرية و أكثر رهافة كالأبيات التي تبدأ بـ:
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل،
و إن كنت قد أزمعت صرمي
فأجملي أغرك مني أن حبك قاتلي
و أنك مهما تأمري القلب يفعلِ
و أنك قسمت الفؤاد فنصفه
قتيل و نصف بالحديد مكبل
و ما طرفت عيناك إلا لتضربي
بسهميك في أعشار قلبٍ مقتَّلِ
و إن تك قد ساءتك مني خليقة
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل.
و المذهل و غير المعقول و غير المبرر معاً أن يتجاوز الإختيار أيضاً عن هذه القصيدة التي تذهب التقاليد إلى أنها كانت آخر ما كتب شاعرنا:
أجارتنا إن الخطوب تنوب
و إني مقيم ما أقام "عسيبُ"
أجارتنا إنا غريبان هاهنا
و الغريب للغريب نسيبُ
فإن تصلينا فالقرابة بيننا
و إن تصرمينا فالغريب غريب.
أجارتنا ما فات ليس يؤوب
و كل ما هو آتٍ في الزمان قريب
و ليس الغريب من تناءت دياره
و لكن من وراه التراب غريب.
حقاً لست أول من يشير إلى هذا التجاوز عن الشعر العربي الأرقى إلى ذلك الإختيار الفاسد، فكم من تربوي و كم من شاعر أشار، قبلي، إلى نفس الموضوع و لكنني أظن أنني أول من يطرح هذا السؤال الآن: أكان ذلك الإختيار مقصوداً، لا ينفع معه نصح تربوي طيب أو شاعر غيور، في ضوء سعي الحكم العسكري في مصر إلى تحييد دور الفن، بصفة عامة في المجتمع أم جاء صدفة لضعف الذائقة الفنية مثلاً عند التربويين المصريين؟
في سائر الأحوال أكملت تعليمي الثانوي كي أجد نفسي فاقداً لكل ثقة في قدراتي و امكانياتي، بل و "كافراً" بالأدب ذاته. أما في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، فلقد سلمنا، في ظل المناهج الدراسية، بأن الحضارة انبثقت مرة واحدة، عند "الأثينيين" على نحو ما قفزت "أفروديت" إلهة الحب و الجمال في أساطير اليونان من رغوة البحر، دون روافد ترفد تلك الحضارة أو أي أُسسٍ تكون قد استعارتها من الخارج كي تبني عليها. و على هذا النحو وجدتني "كافراً" مرة بذاتي الفردية و القومية معاً و "مؤمناً" مرة بالعبقرية اليونانية الفذة، و قل الأوروبية التي تستند إلى الحضارة اليونانية-الرومانية، و أود هنا أن أسوق مثالاً واحداً لضيق المساحة المتاحة: عندما قرأت عند "شكسبير" وصفه لـ "الموت" بأنه "ذلك السفر الذي لم يرجع منه أحد"، وجدتني ساجداً أمام عبقرية الشاعر الإنجليزي العظيم، و قرب التخرج قرأت نفس المعني في أحد أسفار "التوراة"، فوجدت رصيد الإعجاب ينتقل بصورة تلقائية إلى العبرانيين. و لكنني عندما عرفت أن هذا المعني الذي يشكِّل رداً ناعماً و ساحقاً على الديانة "الأتونية" و مشتقاتها التي انتقلت إلى أقوام غرب آسيا، و خصوصاً الساميين منهم سواء عن طريق مباشر، كما يقول علماء بينهم جيمس هنري بريستيد" أو عن طريق طرف ثالث كما يقول عالم المصريات "دونالد ريدفورد"، ورد في نص شعري مصري قديم، أي قبل ظهور العبرانيين بألفي سنة على الأقل ـ و دع عنك الإنجليز الذين لم يتشكلوا في "أمة" إلا مع انحناءة القرن الثالث عشر لإفساح المجال أمام القرن الرابع عشر "م.ع.م." ـ أدركت كم هو حجم الإساءة التي ألحقها التعليم العسكري، برأسي و وجداني معاً. و لعلني أذكر بأسى مرير أننا درجنا خلال دراستنا الجامعية على التعبير عن استنكارنا لعدم استعياب مخاطبنا لما نقول على هذا النحو: Am I talking Hieroglyphics هو أنا باتكلم هيروغليفي؟
في سائر الأحوال تخرجت من جامعة الكاهرا" التي يكتبونها بخطأ جهول تسنده حواديت/خراريف هزيلة: "القاهرة"، "كافراً" بهويتي المصرية الأصلية. و شكل هذا "الكفر" بالنسبة لي قلقًا لا يزال يلح منذ وقت طويلٍ على رأسي، و لم يفارقني حتى هذه اللحظة، و بالتحديد لم تفارقني الأسئلة التي ولَّدها داخلي سؤالاً إثر سؤال. و جواباً على سؤالك أقول: نعم لا أزال أعتقد في ضرورة التأسيس لـ "أدب مصري"، بمعنى ناطق بما أسميه "اللغة المصرية الحديثة" أو "اللمح"، و مستلهمٍ للثقافة المصرية التي تضرب في أعماق التاريخ لخمسة آلاف سنة من التاريخ المدون و دع عنك التاريخ غير المدون، و هو الأمر الذي لا أزال أواصل الدعوة إليه و العمل وفقاً له، أي الكتابة بلغتي الأم "اللمح" إستلهاماً لتراثي المصري بالدرجة الأولى ثم التراثات الإنسانية بصفة عامة، و منها التراث العربي بطبيعة الحال.
* نأت الآن إلى مشروعي الثقافي، و هو المشروع الذي بذلت كل ما أستطيع في سبيل طرحه بكل وسيلة ممكنة و في كل ساحة متاحة و في كل وقت مناسب. و بكل لغة ألم بها بما في ذلك اللغة العربية "الفصحى". حقاً حاز قدراً من الاهتمام، و لكنه ليس القدر الذي يستحقه في رأيي. و يرتكز هذا المشروع بادئ ذي بدء على رصد المعطيات و فحص المعلومات و "تسهيم" (=فك إتجاه) التيارات، التي يوفرها الواقع الروحي و المادي ، بصورة موضوعية مجردة من العاطفة و منزهة عن الهوى، بهدف رؤية هذا الواقع، ليس في لحظته الراهنة أو الساكنة و حسب، بل و في حركته، أي رؤية ما هو قائم و في نفس الوقت رؤية ما سيكون عليه، في ظل ثبات/تغير الظروف المحيطة، فالحقيقي ـ هكذا يخبرنا بعض الفلاسفة ـ هو ما سيكون. والمراد هنا، بصورة ضمنية ليس ما هو قائم، فوجوده ليس سوى بعض الوهم. و هذه خطوة أولى و ضرورية لطرح أي اقتراح معقول أو مشروع مقبول للتغيير، و بعبارة أخرى إعتماد المنهج الوصفي descriptive ، دون المنهج الوعظيprescriptive الذي لا يثمر لا رطب و لا صيص، و لا تزيد قيمته كثيراً عن هواء ساخن، و مع ذلك لا يمل و لا يكل جميع "الفلاسفة" في مصر و المنطقة المحيطة من ترديده، كما كان يفعل السحرة في الأزمنة القديمة: ينبغي أن يتحد العرب/ يجب أن يحذو العالم العربي حذو أوروبا/آه و ألف آه لو تجمَّعت الدول العربية إلخ. و لم يطرأ مثل هذا السؤال على أذهانهم: لماذا لم يتحد من يُسمَّون أنفسهم "عرباً" حتى الآن، مع مرور ما يزيد على أكثر من قرن من الزمن، على الدعوة إلى "القومية العربية" تلك التي بدأها "الشوام المسيحيون"؟
و لقد نظرت فرصدت أن في مصر ثقافتين بصفة رئيسية، إحداهما قومية أي مصرية-أفريقية، و الأخرى أسيوية-غربية و الأدق سامية-عربية. تقوم الثقافة الأولي على بنية زراعية بالدرجة الأولى و بالتالي الإستقرار و الثقافة الأخرى تستند، بصورة رئيسية على الرعي، و بالتالي الترحال. ثقافة تسيِّد قيمة العمل و الإنتاج و الدقة و السرعة و الإتقان و العطاء و بالتالي ازدهرت في ظلها العلوم من رياضيات و كيمياء و تدوين و الفنون من النحت إلى التصوير و نعرف أو ينبغي علينا، أن مصر ساهمت في ركب الحضارة الإنسانية المعاصرة مساهماتٍ تعجز المساحة المتاحة عن تعدادها من النظام العشري في الرياضيات إلى الكيمياء (و إسم "كيميا" نفسه جاء نسبة إلى "كيميت" التي أصبحت "كيمي" بفعل عوامل التحات اللغوية التي طالت في هذه الحالة بالتحديد حرف "التاء" الأخير. و الإسم هو أحد الأسماء التي أطلقها جدودنا المصريون على بلادهم) إلى الأبجدية. أما الفنون فحدث دون ملل بدءاً من كسر قواعد المنظور في التصوير. و لقد استمرت مصر ترسل إشعاعاتها الحضارية شمالاً إلى السواحل الشرقية للبحر المتوسطLevant و جنوباً إلى أعماق أفريقيا منذ آلاف السنين و حتى اليوم. و أستند في ذلك، ليس إلى محض شوفينيتي ـ كما يرميني البعض ـ و لكن إلى علماء أجانب و أجلاء. يقول "إف.جريفيث" العالم البريطاني الذائع الصيت في كتابه "نصوص نوبية من الفتـرة المسيحية"
Texts of the Christian period,Oxford,1913) The Nubian) في إشارته إلى خمس كلمات استعارتها اللغة النوبية من اللغة المصرية في مرحلتها القبطية و ما قبل القبطية: "هذه الكلمات، هي، بالتحديد، ما كان لأمة شبه بدائية، أن تستعيره عندما تتصل بحضارة أرقى، تعرف أي هذه الحضارة مثل هذه الكلمات في مجال التدوين(الكتابة) و المقاييس و الموازين و تقسيم الزمن إلى وحدات متماثلة و المصطلحات القانونية و الخدمة المنزلية". و يقرر "دونالد ريدفورد" العالم الكندي الشهير في كتابه "أخناتون: الفرعون المارق" Akhenaten,the heretic King ص 213 في إشارته إلى عائلة "عبدي-عشيرتا" التي استمرت على قوتها في "أمورو" في أعماق سوريا في القرن الرابع عشر ق.ع.م.:
"حقاً لا نعرف سوى أقل القليل عن أصول هذه العائلة، إلاَّ أن المرجح أنها تنتمي إلى عشيرة من السكان الأصليين الذين يقيمون في منطقة قصية لم تلمس تخومها الحضارة المصرية". و أرجو ألاَّ يرمي أحد من "العروبيين" الأشاوس أياً من العالمين الأجنبيين، بالشوفينية أي التعصب لصالح الحضارة المصرية لرصدهما تلك الحقيقة الناصعة نصوع الشموس: مصر هي إحدى أعظم إن لم نقل أعظم حقيقة سطعت في العالم القديم، بل و ظلت إشعاعاتها ساطعة حتى اليوم مع تدهورها على كافة المستويات خلال نصف القرن الماضي أي منذ سلَّمت الحركة الوطنية المصرية "البائسة" مصر إلى قبضة العسكروت، فيما عدا مستوى واحد، لا يزال يقاوم التدهور هو الآخر، أي المستوى الثقافي الذي يتبدى أكثر ما يتبدى في لغتها "اللمح" التي تعد في تصوري الخاص أنفس ما يملكه المصريون بل و سكان المنطقة المحيطة بمن فيهم "بنو إسرائيل" أنفسهم، مع أن الخبراء الأمريكيين يواصلون تفانيهم في الوقت الحاضر في سبيل إحلال الثقافة العربيةـ السامية و في قلبها بطبيعة الحال "اللغة العربية القديمة" (=اللعق) أي الأدنى محل الثقافة القومية لمصر أي الأرقى، أي تجريد مصر و بالتالي المنطقة المحيطة من أهم سلاح تملكه في مقاومة تخلفها أي في مساعدتها في مغادرة العصور الوسيطة التي تزال "ترفل" في "نعيمها المؤبد". و في عبارة أخري فرض "الإبادة الثقافية" على "الأمة المصرية"، و تلك ثاني أكبر جريمة تاريخية يرتكبها الأمريكيون بعد جريمتهم الكبرى التي تتمثَّل في إبادة "الهنود الحمر"، الذين شرع الخطاب الأمريكي يسميِّهم في الوقت الحاضر: الأمريكيين الأصليين Native Americans. و لكن الموضوعية تفرض علينا أن نقرر أن بريطانيا العظمى هي التي بدأت هذه الجريمة، إلاَّ أن الولايات المتحدة تستكملها بنجاح فائق، و بأيادٍ "مصرية" بالإسم و "الباسبور" الأخضر.
و لقد نظرت فرأيت أن مصر و المنطقة المحيطة ـ سمها ما شئت ـ تنطوي على إتجاهين و قل إرادتين رئيسيتين: الإرادة الأولى أستطيع أن أسميها إرادة الحياة و الإزدهار، فالسهم الذي يقودها يتجه إلى الأمام و الأخرى إرادة الموت و الإندثار التي يتجه بها سهمها إلى الوراء. الإرادة الأولى هي إرادة محلية و الأخرى إرادة أجنبية. و من دواعي الأسف أن كافة من يسمون أنفسهم بطمأنينة يحسدون عليها بـ "المثقفين العرب/المصريين" ينتصرون، العملاء المعتمدون منهم و غير العملاء على حدٍ سواء، للإرادة الأجنبية. (يلف الضباب الحدود التي تفصل بين منطلقات و استنتاجات شخص هو "صديق" للولايات المتحدة، حسب وصف "مايلز كوبلاند" له في كتابه الذي المحاصر، أي "م.ح.هيكل"، كيلا نقول "الوصف الآخر" و شخص آخر يطلقون عليه أحياناً اسم "المفكر" مثل "م.أ. الجاهل" عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في مصر إزاء "القومية المصرية".نموذجاً)
و بينما تسعى الإرادة الأولي المحلية إلى تبني الثقافة الأرقى و في قلبها اللغة الأرقى، أي الأسهل و الأسرع في توصيل المعنى المراد، فاللغة: "وسيلة و كافة الوسائل تتفاضل الواحدة عن الأخرى على أساس مدى سهولتها و سرعتها في أداء الغاية المنشودة و هذه الغاية في حالة اللغة هي التفاهم"، كم علمَّنا أستاذنا د.أنيس فريحة. في حين تعمل الإرادة الأخرى الأجنبية على فرض ثقافة أدنى و في قلبها لغتها، فاللغة هي أبرز مظاهر الثقافة بصفة عامة. و بطبيعة الحال لا أقصد بالثقافة الأرقي هنا سوى "الثقافة المصرية" و باللغة الأرقى دون شك ما أسميه "اللغة المصرية الحديثة" (=اللمح)، و يسميها الخبراء ـ و لا أقول العلماء ـ الأنجلو-أمريكيون مرة "لهجة" و مرة أخرى "عامية". و لا هذا الإسم و لا ذاك صحيح علمياً. و المجال ليس مجال الخوض في نقاش علمي صارم، مثلما أفعل في كتبي و دراساتي، و بعضها منشور. و لكنني لو كنت أحترم مبدأ التخصص أكثر مما أفعل لقلت أنني متخصص في اللغوياتLinguistique الذي يتمتع بتسميات متعددة منتشرة في منطقتنا من فقه اللغة(مصر) و اللسانيات(المغرب) إلى الألسنيات (الشام). و في إطار هذا التخصص استكملت أدواتي من الإلمام باللغات القديمة مثل المصرية (بمراحلها المختلفة كالهيروغليفية و القبطية ) و اليونانية و اللاتينية بالإضافة إلى اللغات الحية كالإنجليزية و الفرنسية و الأسبانية و الألمانية. و في ضوء الطابع الخاص لهذه الدورية سوف أكتفي بالإشارة إلى تحوُّل اسم الموصول في اللغة العربية الموصوفة بالفصحى، دون أي سند من واقع أو منطق، فالفصيح هو الإنسان الناطق بهذه اللغة أو تلك مثل "سحبان وائل"، و ليس اللغة بحد ذاتها. فالسيد "ونستون تشرشل" لم يكن في فصاحة "شكسبير" لمجرد حديثهما أو كتابتهما بلغة واحدة. و لعلنا نلاحظ أن اللغة المصرية الحديثة أو "اللمح" اختصرت كلاً من (الذي و التي و اللذان"اللذين" و اللتان"اللتين" الذين اللاتي"/اللائي") في اسم موصول واحد هو "اللي" أي جرَّدت هذا الإسم إلى الحد الأقصى، و هذا تطور، و لو أن خبراء لغويين أمريكيين يأنفون من هذه الكلمة و يصرون على استخدام كلمة "تغير" لأسباب لا مجال للوقوف عندها الآن. و قد تبنت سائر اللهجات في المشرق و المغرب كيلا أقول "اللغات" فأكتسب أعداء جدداً، هذا التطور. أما إذا انتفض أحد المصريين-الساميين زاعقاً، كما حدث مرة سابقة خلال إلقائي ورقة عمل في أحد المؤتمرات الثقافية: و لماذا لا يكون المصريون هم الذين تبنوها عن العرب، فجوابي، و كما كان يومها، هو: اللغة القبطية القديمة تعرف هذا التطور أي قبل أن تظهر اللغة العربية إلى الوجود بألف سنة على الأقل.أما إذا هددني سيادته بإلحاق أي أذى بنفسه إحتجاجاً على "شوفينيتي" هذه فلسوف أقبل منه فوراً أن تكون "اللغة المصرية الحديثة" هي التي استعارتها حتى من أهل "نمنم" أو سكان جزر "الواق واق"، فما دمنا نريد التفاح فعلينا أن نأخذه حتى لو جادت به أشجار الصفصاف، كما يقولون الأفغان في حكمة لهم شهيرة.
هذا على مستوى الصرفيات أو الـMorphology أما على مستوى اللفظيات أو الـ Phonetique فلقد بدأنا نسمع أبناء عمومتنا اللبنانيين عبر الفضائيات و هم ينطقون كلمة "اليوْم" (بتسكين الواو) على هذا النحو: "اليُوم"(بضم الياء)، و معنى ذلك أنهم "اختصروا" الصائتين المدمجين وبتعبير إصطلاحي:Diphthong إلى صائت واحد هو : الـO و كان ذلك مرة أخرى سيراً على نهج اللغة المصرية الحديثة أو "اللمح" التي توصلت إلى هذا التطور منذ "ابن دانيال" على الأقل. و نحن نعرف أن "فيروز" سفيرة المنطقة عند النجوم نطقت هذين الصائتين المدمجين قبل نحو بضعة عقود و حسب هكذا: aw في غنوتها الشهيرة:
دخلك يا طيْر( و ليس طِير) الوروار!
و كذلك في غنوتها الأخرى:
وقف يا أسمر، في إلك عندي كلام:
ها البنت يا اللي بيتها "فوْق"(و ليس "فُوق") الطريق...إلخ.
و على هذا الأساس يكون القول الذي يلوكه جميع "الفلاسفة" في المنطقة و يذسب إنتشار "اللمح" في المنطقة التي تمتد من الخليج الفارسي حتى المحيط الأطلنطي إلى أسبابٍ خارجية طارئة مثل انتشار الغناوي و الأفلام الناطقة بـ "اللمح" هو قول بائس بالغ الضحالة فلقد حوَّل التتابع الزمني إلى تتابع سببي، فالأصح أن "اللمح" تطرح على تلك "اللهجات" الصورة التي ستصير إليها عندما تتطوَّر أي تنتقل من الصعب إلى الأقل صعوبة. و هذا هو السر وراء تأثر سائر "اللهجات" المشرقية و المغربية بـ "اللمح"، أكثر من تأثرها باللغة العربية (الفصحى) رغم أنها هذه اللغة هي لغة التعليم و كثير من الإعلام في المشرق و بعض المغرب، و هو وضع لا تتمتع به حتى الآن "اللمح". و المعروف أن "اللمح" هي اللغة المشتركةLingua Franca التي يعرفها جميع من يسمون أنفسهم عرباً دون أن يتعلموها في دور تعليم، و دون أن يُعطوا هذه الحقيقة اللغوية اسمها الصحيح.
و في هذا الصدد أعتقد أن "المتعلمين المصريين"، لم يفهموا بصفة إجمالية ما الذي يقصده الحر الفقير عندما يقول أن "الأميين المصريين" أفضل من نظرائهم من "المتعلمين المصريين"، و أود أن أخص بعدم الفهم أولئك الذين أبدوا استحساناً هائلاً بكتاباتي في هذا المجال و صفقوا له حتى التهبت كفوفهم. فلقد وشت لي أعينهم المرة تلو المرة بما يتناقض مع ما حاولت ألسنتهم أن تزفه إلى الحر الفقير على غير سند. و يبدو أن الموضوعية أعجز من أن تصل بضحايا "التعليم المصري" أولئك إلى حد الإعتراف بأن "الفلاح"، سواء في شمال الوادي أو جنوبه أحسن منهم على المستوى العقلي و الوجداني معاً. و لعل السبب الرئيسي وراء ذلك كامن في عملية "التنميط"stereotyping التي لا تكف الثقافة السائدة عن النهوض بها، دون فخر، لـ "الفلاح" الذي يشكِّل الضلع الرئيسي بالنسبة لي في مفهومي عن "الأمي"، عبر نسقيها الشديدي الفعالية: التعليم و الإعلام، حتى أصبحت كلمة "الفلاح" تفيد "شخصاً أبله غبياً فظاً متخلفاً. و في هذا المجال أذكر أن أحد القواميس الإنجليزية- العربية المعتمدة في مصر، و هو من تأليف شخص "متعلم مصري" كبير بطبيعة الحال، ترجم كلمةvulgar إلى "فلاح". و هذه العملية هي التي تحول دون رؤية "المتعلمين المصريين" للمصريين-المصريين أي الأميين الذين يُعدون في تصوري "آخر فلول المصريين" أو المصريين الذين فلتوا من الإبادة الثقافية، و بعبارة أخرى الورثة الحقيقيين لإحدى أعظم الحضارات التي عرفها العالم القديم، إن لم نقل، مرة أخرى، أعظمها. فلقد كانت "الأمية" بمثابة المحارة التي حجبت عنهم كثيراً من مؤثرات الثقافة السامية أو الأسيوية-الغربية الأقل تقدماً من ثقافتهم، و حرمت تلك الثقافة الأقل تقدماً من "حرث" عقل المصريين-الأميين، و هو الأمر الذي نجحت فيه إلى حدٍ كبير، و مأسوفٍ عليه مع عقل "المصريين-المتعلمين". و لا يتضح ذلك أكثر مما يتضح في نطاق العلاقات اللغوية، أقصد العلاقة بين "اللعق" و "اللمح".
و أذكر أن "متعلماً مصرياً" كبيراً ـ ماركسي سابق و يكتب شعراً و مسرحاً ـ كتب على هامش محاضرة لي هذه العبارة/ السؤال: "و ما مصلحة بريطانيا أو الولايات المتحدة في فرض "الثقافة العربية-الإسلامية" على المنطقة؟
و كان يكفي أن أشير لسيادته إلى أن فرض تلك الثقافة التي أسميها "الثقافية السامية"، و في قلبها "اللغة العربية" المقدسة يؤبد إستمرار تخلف "البقع المتخلفة" في المنطقة مثل دويلات "الخليج" من جانب كما يضمن عودة المناطق التي كادت أن تفلت من أسر "التخلف" إلى حظيرة التخلف، كما هو الحال مع مصر و بلدان محدودة أخرى من جانب آخر، أي فرض الكابوس الخماسي الأضلاع: الغباوة و الجهالة و الفظاظة و الخباثة و السعادة بإلحاق أشد درجات الأذى و القهر و الإذلال بالآخر، على المنطقة السعيدة بأسمائها المتعددة التى يلصقها عليها الغربيون بين الحين و الآخر.
و يعرف اللغويون أن اللغة البشرية تستقل على النقيض من سائر مظاهر الثقافة الأخرى بميلها المستمر نحو التحول إلى الأسهل. فاللغة السنسيكريتية كانت تعمل وفق ثماني نهايات لحالات إعراب للإسم،(فاعل/مفعول/مضاف/منادى إلخ) اختصرت في بناتها اللاتينية إلى ست و اليونانية القديمة إلى خمس، و الألمانية إلى أربع، و لكنها في حفيدتها الدانماركية إلى حالة واحدة و لا تزال الإنجليزية "تحرجم" في سبيل الوصول مثل الدانماركية إلى أقصى درجة تجريد أي حالة واحدة. و يعرف اللغويون أيضاً أن اللغة المصرية القديمة تخلَّصت من هذه الحالات جميعها ـ و أرجو ألاّ يندهش أحد ـ "فيما قبل التاريخ"، كما نعرف من البروفيسور "أنطونيو لوبرينو" بجامعة "كاليفورنيا في كتابه "اللغة المصرية القديمة"Ancient Egyptian ص 51.
و المعروف أن "اللغة العربية" تعمل بموجب ثلاث حالات، تماماً مثلما كانت تعمل اللغة الأكادية، أقدم لغة سامية وصلت إلى أيدينا لها مدوناتٍ أي نصوصاً مكتوبة، بينما تخلصت سائر لهجاتها/بناتها العربيات+العبرية من نهايات هذه الحالات كي تصبح غير معربة.
و قد يندهش البعض و يستنكر بعض آخر و يستعصي على فهم عديدين مثل هذه الحقيقة: تخلُّف المنطقة التي تمتد من الخليج حتى المحيط راجع بالدرجة الأولي إلى إعتماد لغة ميتة، لم تعد لغة قومية بمعنى لغة أمmother tongue لأحد في هذه المنطقة بما فيها أهل "مكة" و أهل "يثرب" أنفسهم أي لغتهم التي "يكتسبونها" أكرر "يكتسبونها"، مثلما "تُكتسب" كل اللغات الأم أي اللغات القومية لشعوبها و تراهم يحتاجون أي "المكيون" و "اليثاربة" و أبناء "عِنزة" في قلب "نجد" إلى أن "يتعلموها" في دور تعليم كاللغات الأجنبية سواء بسواء، و في هذا السبيل "يستقدمون" "أجناباً"، كما يذهب مصطلحهم الخاص في الصدد، من "بلاد الفراعنة" كي يعلموها لأبنائهم، أي أن موقفهم هنا لا يزيد و لا يقل على المستوى اللغوي عن موقف الإيطاليين المعاصرين من لغة جدودهم "اللاتينية" و لو أن "الإيطاليين" يعترفون بذلك الموقف من انحناء القرن الثالث عشر من القرن العشرين! و فوق ذلك فـ "اللعق" لغة عسيرة كل العسر لا يستطيع أحد إتقانها مهما بذل من جهدٍ و وقت و مال. و بناء عليه فدخول المنطقة رحاب العصور الحديثة أي مغادرة العصور الوسيطة مرهون بالتحول عن هذه اللغة المقدسة إلى اللغات المستخدمة في أداء الطقوس اليومية، تماماً مثلما تحوَّلت شعوب أوروبا، عن لغتها المقدسة أي اللاتينية، إلى اللغات الأم/القومية من ألمانية و فرنسية و انجليزية إلخ و مثلما فعلت شعوب جنوب شرق آسيا عندما تحولَّت عن لغتها المقدسة أي السنسيكريتية إلى اللغات الأم/ القومية من هندية و بنغالية و كشميرية إلخ، و هو الأمر الذي تصفه البروفيسور "نيلوفر حائري" الأمريكية من أصلٍ إيراني، بجامعة "جون هوبكنز" الأمريكية بـ "التحول إلى اللغات القومية/الحية/المنطوقة" أوVernacularization
· و في هذا الإطار دعوت إلى الكتابة بما أسميه "اللغة المصرية الحديثة" و تسميها أنت "العامية المصرية"، و هذا كرم منك في حقيقة الأمر، فالخبراء الأمريكيون، و وراءهم "المتعلمون المصريون" ـ و القوسان هنا بهدف التحفظ ـ يكتفون بتسميتها بـ "العامية"، على اعتبار أن هناك لغة واحدة سائدة في المنطقة التي تمتد من الخليج الفارسي حتى المحيط الأطلنطي، و أن لهذه اللغة: اللغة العربية (الفصحى) الواحدة خمس مستويات، العامية هي المستوى الأدنى منها، هكذا يفقهنا أكاديمي نصف مصري و الأدق سامي-مصري يعمل رئيساً لأحد الأقسام بكلية الآداب بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. و بطبيعة الحال هذا القول ليس صحيحاً من الناحية العلمية، و علاوة على ذلك فهو قول مغرض، لا يقل كثيراً عن الحكم الذي يُمليه حاكم عسكري على قاضي(=قاضٍ) أي مقرر بشكل مسبق لخدمة غرض غير معلن بحكم طبيعته، و إن قامت عليه شواهد و قرائن و أدلة عديدة و لكي أكون أكثر وضوحاً لخدمة استراتيجية أنجلو-أمريكية، أي بدأتها بريطانيا زعيمة الإستعمار القديم و تستكملها بعدها الولايات المتحدة الأمريكية التي تتزعم الإستعمار الجديد. و يُمكننا تلخيص، هذه الإستراتيجية، بعد طول درس و تمحيص و معاناة من جانبي، في تعريب المنطقة بمعنى "تسييم" أي فرض الثقافة السامية بوجهها المتخلف أي العربي عليها، و هو الأمر الذي يخدم أول ما يخدم الوجه المتقدم لهذه الثقافة ذاتها، ذلك الوجه الذي تحمله إسرائيل،. فالعروبة ليست سوى "مجمل خصائص العرق السامي القديم" كما قال العالم الألماني "دينلف نيلسن" في كتابه "الثالوث الإلهي"، و نقلاً من جانبي عن "التاريخ العربي القديم" تترجيم: د. فؤاد حسنين علي. و إذا كان هناك من يسمح لنفسه أن يتهمني بـ "الشوفينية" لدعوتي إلى الكتابة بهذه اللغة فهناك عرب أقحاح و ساميون كمَّل أجدر مني بهذه التهمة التي لا أنكرها و لا "أستعر" منها، أحدهم هو د."أنيس فريحة" أستاذ اللغات السامية بجامعة "بيروت" الذي ورد ذكره في وقتٍ سابق. فلقد اقترح في أواسط الستينات "تقعيد" ما أسماه بـ "اللهجة المصرية" و هو نفس المسمى الذي نطلق عليه "اللغة المصرية الحديثة"، تمهداً لاتخاذها لغة للتعليم و الثقافة في "العالم العربي"، و كان الأقرب إلى منطق روح العلم أن يُسميه، لهذا السبب بالتحديد، أي لوجود "لغة" أو "لهجة" يستطيع سكانه أن "يكتسبوها" كي يتفاهموا بها، دون سواها من اللهجات/اللغات:"العالم المصري"، مهما شق عليه ذلك و خدش عواطفه القومية العربية أو الدينية الإسلامية!
و في هذا النطاق نسأل: ماهي أركان/ أقانيم "الثقافة السامية" أو "الثقافة العربية؟ و ليس هناك أي هدف آخر للحر الفقير من طرح هذا السؤال سوى رؤية ما هو مشترك بين "السامي" و "العربي" مع عدم نكران ما قد يُميِّز هذا عن ذاك في نفس الوقت. و الجواب: الركن الأول هو: رفع شأن الرعي على الزراعة فرئيس المجمع الإلهي السامي يقبل قربان الراعي و يرفض قربان الزارع، مع أن غلة ساعة العمل في الزراعة أعلى من غلة نظيرتها في الرعي و هو الأمر الذي أسس تاريخياً للترحال و البداوة و اتخاذ الغزو وسيلة رئيسية لكسب الرزق بل و فضيلة الشجاعة و اتخاذ "الأسد" رمزاً قومياً و شعيرة الصوم، و هو ليس سوى الجوع الذي كانت تفرضه بيئة طبيعية شديدة الفقر، بعد رفعه في اتجاه السماء كي يغدو شعيرة دينية مقدسة و بالتحديد أحد أعمدة الديانة المحمدية. الركن الثاني: الوحدانية. الثالث: دونية المرأة...إلخ و على النقيض من ذلك نجد "الثقافة المصرية-الأفريقية، فركنها الأول هو: تمجيد الزراعة و بالتالي التأسيس للإستقرار و الحضارة و انعكاساً لهما في عملية جدلية متبادلة. الركن الثاني: التعددية. الثالث: سوائية المرأة مع الرجل بل و فضيلة الصبر و اتخاذ "الجمل" رمزاً قومياً و شعائر تقريب القرابين و بينها شعيرة "الصببان" أي صب قدر من الخمر(النبيذ في الغالب) على الأرض و نصب الأعياد على مدار السنة إلخ و تفصيل ذلك موجود في مختلف كتاباتي.
* لا أملك أن أقول عن تجربتي مع محاولة تأسيس حزب باسم "مصر الأم" ، و كانت محاولة لنقل ما هو "ثقافي" إلى ما هو "سياسي"، إلا أنها تجربة بطعم الحنضل. فلقد أعطيت الحزب إسمه و كتبت الجزء الأكبر (75%)من برنامجه، أما الجزء الآخر فكتبه أصحابه تحت تأثير واضح، لكتابي الأساسي حتى الآن "حاضر الثقافة في مصر". و أطلق عليَّ كثيرون داخل الحزب و خارجه لقب "فيلسوف الحزب". و تقوم الفقرات المنقولة نصاً من كتابي الصادر في أحدث طبعة له سنة 2003 إلى صلب البرنامج، المقدم إلى لجنة الأحزاب يوم 14فبراير/ 2004 دليلاً مادياً يستعصي دحضه على ذلك. و لكنني فوجئت بامتداد و تجذُّر ما أسميته وقتها بـ "اللوبي الأمريكي في مصر" داخل الحزب. و بدأ هذا "اللوبي" ينسب إلى نفسه كل ما لم ينتج. و سرعان ما قفز ذلك "اللوبي" كي يسيطرعلى الحزب و هو لا يزال رهن التأسيس و يوجهه و"يسوقه" نحو التأييد غير المشروط للإستراتيجية الأمريكية في مصر و المنطقة.
و أذكر من سخريات القدر أن أحد أقطاب ذلك اللوبي و هو م. البدري طرح إقتراحاً ذات يوم على هذا النحو: هل ندخل "الشرق الأوسط الأكبر" الذي تدعو إليه الولايات المتحدة دون تحفظ؟
و في ظل آلية الديموقراطية، التي أعرفها بإيجابياتها و سلبياتها طرحت إقتراحاً مضاداً: الدخول مع التحفظ. و جاء التصويت على هذا النحو: تسعة أصوات لصالح الإقتراح الأول، أما اقتراحي فلم يحظ إلا بصوتٍ واحد!
و كان أن جمَّدت عضويتي من طرف واحد في "الحزب"، لكنني لم أفتح فمي علناً بكلمة واحدة ضده حتى بوضعه الذي آل إليه، كيلا أتحمل أمام نفسي وزر رفض الحزب الأول و الوحيد الذي يدعو إلى القومية المصرية بوجهها الحديث، و قدرت يومها أن تسجيل "مصر الأم" كحزب مشروع يمكن أن يثير حماس عدد أكبر من المصريين-المصريين الذين سيتصدون على الأرجح لذلك "اللوبي" الذي "اختطف" الحزب عبر آلية تحظى بالإجلال: الديموقراطية، مثلما "اختطف" الحزب الإشتراكي القومي بزعامة "أدولف هتلر" ألمانيا عبر نفس الآلية في ثلاثينات القرن العشرين.
* إذا قلنا: "مصر" نكون قد قلنا: "التعددية". فمصر القديمة تعرف دياناتٍ أي أنساقاً لاهوتية متعددة من تاسوع "أون" إلى ثامون "الأشمونين" إلى ثالوث "منف"الخ. و ليست ديانة واحدة أو إله واحد أو كتاب مقدس واحد. و لقد عبد المصريون القدماء مئات الآلهة المختلفة و المتكاملة مثلما فعل اليونانيون و لا يزال يفعل الهنود. و نعرف أن "سنوهي" كان يرفع يديه إلى السماء في منفاه و يدعو: "يا إلهي أياً كنت هب لي أن أدفن في الأرض التي شهدت يوم ميلادي"، أي أن المصريين لم يعرفوا "التكفير" طوال تاريخهم الذي يمتد لآلاف السنين ـ اللهم لمدة سبع عشرة سنة خلال فترة حكم الفرعون و الأولى الملك "أخناتون"، بل و سمحوا بعبادة آلهة غير مصرية و خصوصاً غرب أسيوية مثل "عشتارت" و "بعل" في أرض "إيزيس". حقاً انتهى ذلك عقلياً في مصر تحت نفوذ ساحق للثقافة السامية، لكنه لا يزال يفعم بآلائه وجدان المصريين و هو الذي يقف وراء قراءة المصريين الخاصة للشعبتين الثانية و الثالثة أي المسيحية و المحمدية من الديانة الإبراهيمية أو "ديانة الساميين" على حد تعبير عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي "روبرتسون سميث"، فـ"السيدة زينب" و شقيقها سيد الشهداء "الحسين" ـ مثلاً ـ يعدان إمتداداً على مستوى الوجدان، لكل من "إيزيس" و شقيقها الشهيد "أوزيريس". و هذه التعددية هي التي أسست للتسامح الذي ظل يُميز المصريين حتى فجر يوم الأربعاء الأسود أي 23يوليو/بؤونة1952. و قل ذلك أيضاً على التحايا المصرية البالغة التعدد و التنوع، نظير التحية الأحادية للساميين عرباً و عبرانيين: السلام عليكم/شالوم عليخم.هذه التحايا التي يتبنَّاها العرب حالياً فيما يتجاهلها المصريون في رحلة تعريبهم/تعربهم.
* إسمح لي أن أقسم السؤال إلى قسمين مستقلين، الأول: هل ترى معنى لاستراتيجية السلام؟ و الثاني: ماذا عن معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية؟
و رداً على القسم الأول أقول، بصريح العبارة إنني أومن و أدعو و استكشف كل فرص السلام بين جميع الشعوب و جميع الأمم و الطوائف و الملل و النحل إلخ. فالبشر لا يتحاربون منذ فجر البشرية إلاَّ من أجل إرساء أسس السلام، كي يعيشوا في "تباتٍ و نبات". و معنى القول أنني أومن باستراتيجية السلام. و لكن يبقى السؤال: أي سلام. أما عن اتفاقية السلام بين مصر و إسرائيل لسنة 1979. فلقد جاءت إنعكاساً لخلل قائم في القوى بين مصر غير المصرية غير المنتجة غيرالمدنية غير الديمقراطية غير الحرة، و في عبارة واحدة "مصر الضعيفة" أو مصر "اليوليوية" أي العسكرية و بين إسرائيل الإسرائيلية و المنتجة و المدنية و الديمقراطية و الحرة، و في كلمة واحدة "إسرائيل القوية". و في هذا الصدد أتذكر أن الزعيم التونسي الكبير "الحبيب بورقيبة" نصح "البكباشي الملهم" خلال زيارة له لمصر في سنة 1964، إن لم تخونني الذاكرة، بأن يبرم إتفاق صلح مع إسرائيل "الآن" فالقوي يأخذ أكثر عند إبرام الصلح، مما يمكن أن يأخذه متى دب فيه الضعف. إلا أن الحاكم العسكري لمصر، أي الذي وصل إلى الحكم و تربع في دسته على متن دبابة ذات فجر، بتدبير سفارة أجنبية استعمارية هي سفارة الولايات المتحدة، على نحو ما كشفت عنه مئات الوثائق اللاحقة، رفض النصح و أطلق على "الناصح المخلص" إعلامييه الأشاوس.كيف رأى الزعيم التونسي الكبير أن السلام قادم لا محالة بين البلدين؟ هل كان يدرك أن "إنقلاب يوليو الأمريكي" قام من أجل هدف محدد: الإعتراف بإسرائيل؟ كيف استشعر أن مصر تنتقل من حالة ضعيفة إلى حالة أضعف؟ لست أدري.
أفضل رداً على هذا السؤال أن أبدأ بالحديث ليس عن نهضة من أي نوع و لكن عن استكشاف إمكانية إبطاء وتيرة الانهيار و حسب. فالسؤال الذي يواجه من يغرق في عرض البحر، هو كيف ينجو من الإسفيكسيا، و ليس الطريق الذي ستأخذه فيه قدماه عندما يخرج إلى البر. و في هذا السبيل أرى ضرورة طي صفحة "ثورة يوليو الأمريكية" على حد تعبير الكاتب البارع "جلال كشك" في كتاب له بهذا العنوان بل و شطب ذلك الإنقلاب و هذا هو الإسم الأدق من تاريخ مصر و المنطقة جملة و تفصيلاً. و أتصور أن ذلك لن يحدث إلا إذا أجرى "المتعلمون المصريون" ـ و لا أقول المثقفين المصريين ـ محاكمة لذلك الإنقلاب الذي يُعد في رأيي أنجح إنقلاب عسكري دبرته المخابرات المركزية الأمريكية في سائر أرجاء العالم في القرن العشرين، فلقد نجح و لا يزال يواصل نجاحات متصاعدة و الأدق متفاقمة حتى هذه اللحظة، في سبيل الهبوط بمصر من منزلة دولة عظمى إقليمية إلى دولة ضعيفة تابعة لا يحسب لها أدنى حساب، و توُصف في غُرف الدردشة على "الشبوكة" بأنها "زوجة الولايات المتحدة"، حتى لو أدى ذلك النجاح أو تلك النجاحـــات إلى إنهاء وجود "أكبر واحة منقولة في العالم"، و هي المنزلة التي لا تتردد إسرائيل في إحتلالها من فورها.
أعود و ألخص مشروعي الثقافي على هذا النحو: يجب على "المتعلمين المصريين" ـ و إني لأنفي مجدداً أي وجود لمثقفين مصريين ـ أن يكفوا ليلاً عن إنتاج و إعادة إنتاج أو إرساء أسس ما يضجون من نتائجه المباشرة و غير المباشرة نهاراً أي الإستبسال في تبني الإستراتيجية الأنجلو-أمريكية و الدفاع عنها، في "تسييم/تعريب" المنطقة أي فرض التخلف عليها، و خصوصاً ما يتعلق منها في الإستمرار في اصطناع "اللغة العربية" المقدسة كلغة للعلم و الثقافة، و ذلك كخطوة أولى ثم يمضون من فورهم إلى تبني "الثقافة المصرية" الأرقى و في قلبها اللغة المصرية الحديثة "اللمح"، حتى لا يحكم عليهم التاريخ بأنهم كانوا "عملاء غير مأجورين" أي عملوا بالمجان لغباوتهم و جهالتهم وحدهما في خدمة الأهداف الإستعمارية الغربية في المنطقة، و هم يحسبون أنهم ـ و يا للعجب ـ يقاومونها، و بعبارة أخرى يجب أن ينذر "المتعلمون المصريون" أنفسهم لما هو آتٍ، ذاك الذي تعمل شعوب المنطقة بصورة تلقائية على تبنيه، دون وعي من جانب أولئك "المتعلمين المصريين" ـ و "المتعلمين العرب" معهم ـ و يتمثل في تبني أرقي ما يملكون أي الثقافة المصرية" و هو الأمر الذي يعني، بالضرورة أن يتحوَّلوا إلى "مقاومة" ما ينتصرون له حالياً من ثقافة "سامية" يطلقون عليها، وراء الأجانب المغرضين أي الغربيين، و خصوصاً الأمريكيين منهم إسم "الثقافة العربية-الإسلامية"، تلك التي تفرض على المنطقة التخصص في إنتاج خام البترول و الغاز الطبيعي، دون سواهما. و عندئذِ بطبيعة الحال ينتقل أولئك "المتعلمون المصريون" و معهم نظراؤهم العرب من مجرد قارئين-كاتبينliterates إلى مستوى "نخبة قومية مثقفة" قائدة، مثلما هو الحال في سائر البلدان التي تتمتع بالإحترام على نطاق العالم، و بينها إيران و تركيا و لسوف يتيح هذا المشروع عقد تحالفٍ أراه مشروعاً و ضرورياً مع "النخب" في سائر بلدان المنطقة و من بينها و قل على رأسها إسرائيل، أي أولئك الإسرائيليين غير الساميين، و بعبارة واحدة: معاً، نحن المصرين و الساميين، عرباً و عبرانيين ضد "السامية/العروبة" ومع "المصرية" أي ضد التخلف و مع التقدم، مهما أغضب هذا الطرح الثقافي أعداء المنطقة في هذا المنعطف التاريخي، و خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية. و غني عن الذكر أن المراقب اليقظ يستطيع أي يشُم في إسرائيل الرغبة في الحلول محل الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، خصوصاً و أنها أصبحت تملك نفس القدرات الإمكانيات التي ملكتها يوماً بريطانيا أيام السلام البريطانيPax Britannica، و ما تملكه اليوم ما نطلق عليه أمريكا، بصفة عمومية في ظل السلام الأمريكيPax Americana، و ماملكته قبلهما بوقت طويل مصر على زمن الـPax Egyptiaca.
و في الختام أطرح هذا السؤال: لماذا يحرص الخبراء الغربيون و أتباعهم بصفة عامة و الأمريكان و متدربوهم من أكاديميينا على حرماننا من هذه اللغة و فرض تلك علينا؟ و ألا يصب هذا في صميم استراتيجيتهم في المنطقة؟ أنهم بلهاء، لا يدركون مصلحتهم/مصالحهم القومية؟ أم أنهم يريدون لنا التقدم و الازدهار، و قد تابوا و أنابوا عن الاستعمار؟
ترى متى يقتنع "قومي" بأن الغابات تتحرك نحونا، هل بعد أم قبل فوات الأوان؟
: ملحوظة
الشاعرمحمود قرني عمل الحوار دا وي الحر الفقير للنشر في جريدة "القدس العربي"،بس الجريدة المذكورة ما رضيت ش تنشر حرف واحد م الحوار. الأمر اللي خلَّى الشاعر المصري و مراسلها في "الكاهرا" ينشر جزء منه في جريدة مصرية مستقلة.